كيف تعلّمنا أن نعيش بنصف فهم؟ هذا الاكتمال الزائف لا يتجلّى فقط في الآراء السريعة، بل في علاقتنا بالزمن نفسه. نحن لا نمنح الأفكار حقّها من الامتداد، نريد نتائج فورية، مواقف جاهزة، وتصنيفات واضحة. الفكرة التي تحتاج وقتًا لتتشكّل تُعدّ مريبة، والإنسان الذي يقول "لا أدري بعد" يُنظر إليه بوصفه مرتبكًا أو متخاذلًا. ثقافيًا، تغيّر تعريف الحكمة، لم تعد مرتبطة بالتأمل وطول المراجعة، بل بالقدرة على الحسم السريع. صار الحسم قيمة أعلى من الصواب، والوضوح أعلى من الدقّة، حتى لو كان وضوحًا مبسّطًا إلى حدّ الإخلال. هذا ما جعلنا نعيش داخل قوالب فكرية جاهزة، نتحرك فيها براحة، لأنها تُعفينا من عبء التفكير الطويل. القالب يمنحك شعورًا زائفًا بالانتماء: أنت مع هذا الفريق، ضد ذاك، دون أن تضطر لبناء موقفك من الداخل. الخطورة هنا لا تكمن في الخطأ، بل في الجمود. الخطأ قابل للمراجعة، أما القناعة الناقصة فهي محصّنة ضد السؤال. ومن يملك نصف الحقيقة ويؤمن أنها كاملة، يصبح أكثر قسوة ممن لا يملك شيئًا. في هذا المناخ، تراجعت قيمة الحوار الحقيقي، لم يعد الحوار بحثًا مشتركًا عن المعنى، بل محاولة لإثبات الاكتمال. كل طرف يدخل وهو يحمل نتيجة نهائية، ويبحث فقط عمّا يدعمها. وهكذا لا نتحاور لنفهم، بل لندافع عن صورة ذهنية استقرت قبل أن تُختبر. حتى اللغة تأثرت بهذه الثقافة، صارت مباشرة، حادة، تقريرية، كأنها بيانات لا أفكار. اختفت المساحات الرمادية، وتراجعت الجمل المترددة، لأن التردد لم يعد مسموحًا له بالوجود في فضاء يحتفي باليقين الصاخب. لكن التاريخ الثقافي لا يتقدّم باليقين، بل بالأسئلة التي طال انتظارها. أكثر التحولات العميقة بدأت بشكّ صغير، وبشعور غير مريح بأن الفهم الحالي غير كافٍ. الفهم الناقص، حين يُعترف بنقصه، يصبح محرّكًا. أما حين يُقدَّم بوصفه مكتملًا، يتحوّل إلى عائق. ربما نحتاج إلى إعادة تأهيل ذائقتنا الثقافية على الصبر، الصبر على الفكرة قبل إصدار الحكم، الصبر على التناقض قبل حسم الموقف، والصبر على الأسئلة التي لا تملك إجابات فورية. أن تقول "لا أزال أفكّر" يجب أن يعود جملة محترمة. وأن تؤجّل رأيك ينبغي أن يُعدّ نضجًا لا تراجعًا. ثقافة الاكتمال الناقص لا تُنتج مجتمعًا جاهلًا، بل مجتمعًا متعجّلًا، وهذا أخطر. فالمتعجّل لا يمنح نفسه فرصة أن يرى الصورة كاملة، ولا يمنح الآخر فرصة أن يُفهَم، ولا يمنح الحقيقة الوقت الكافي كي تظهر. وفي زمن السرعة قد تكون أعمق مقاومة ثقافية هي أن تتروّى.. وأن تعترف بأن ما تعرفه حتى الآن، ليس إلا بداية الفهم لا نهايته.