تسعى دول الخليج المنتجة للنفط إلى استغلال موارد كان تطويرها في السابق مكلفًا للغاية، وذلك من خلال تقنيات أثبتت فاعليتها في مناطق النفط الصخري في أميركا، وتعمل المملكة العربية السعودية على استثمار أكثر من 100 مليار دولار لتطوير حقل الجافورة، أكبر حقل غاز صخري في العالم خارج أميركا الشمالية. بدأت أرامكو إنتاج الغاز الطبيعي من حقل الجافورة، وتبرز هذه الخطوة تحولاً جوهرياً في خريطة إنتاج الغاز الطبيعي عالمياً، مع توجه المملكة نحو توسيع نطاق استغلال مواردها غير التقليدية وتعزيز إمداداتها المحلية، ومن المتوقع أن يستهلك معظم الغاز المنتج من حقل الجافورة داخل السعودية، حيث سيستخدم أساساً كوقود لتوليد الكهرباء. وتقدر احتياطيات حقل الجافورة بنحو 200 تريليون قدم مكعب من الغاز، أي ما يعادل 5.7 تريليونات متر مكعب، ويبلغ الإنتاج الحالي نحو 450 مليون قدم مكعب يومياً، ما يعادل 0.01 مليار متر مكعب يومياً، مع خطط لرفع الطاقة الإنتاجية إلى 2 مليار قدم مكعب يومياً، أي ما يعادل 0.06 مليار متر مكعب يومياً. وفي خضم التطورات، قامت قطر، ثاني أكبر جهة مصدرة للغاز الطبيعي المسال في العالم، بترسية أعمال عقد بقيمة أربعة مليارات دولار أميركي لأعمال الهندسة والتوريد والإنشاء والتركيب على تحالف بقيادة شركات إيطالية وصينية. ويأتي هذا العقد في إطار استراتيجية تهدف إلى تلبية أهدافها التوسعية في إنتاج الغاز الطبيعي المسال، ومن المتوقع أن يستغرق تنفيذه خمس سنوات. وخلال العام 2025، صدرت قطر نحو 80 مليون طن من الغاز الطبيعي المسال، وكانت الدول الآسيوية الوجهة الرئيسة لهذه الصادرات، حيث تصدرت الصينوالهند وكوريا الجنوبية قائمة أكبر ثلاثة مستوردين للغاز القطري. في وقت، سجل الاستهلاك العالمي للغاز الطبيعي نمواً بوتيرة معتدلة خلال العام 2025، ووفقاً لبيانات منتدى الدول المصدرة للغاز، ارتفع إجمالي استهلاك مجموعة من الدول الكبرى المستهلكة للغاز، والتي تمثل نسبة 75 في المئة من الطلب العالمي على الغاز الطبيعي، بنسبة 1.6 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 2,902 مليار متر مكعب خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025. كما ارتفع استهلاك الغاز الطبيعي في بعض المناطق الرئيسية، من بينها أميركا الشمالية والاتحاد الأوروبي، في حين سجل استهلاك الغاز في منطقة آسيا تراجعاً خلال نفس الفترة. وبصفة عامة، يتوقع أن يبلغ متوسط معدل نمو الاستهلاك العالمي للغاز الطبيعي نسبة 1.5 في المئة خلال العام 2025، وذلك نتيجة تباطؤ نشاط القطاع الصناعي. وفي المقابل، يتوقع أن يسجل الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي معدل نمو أعلى هامشياً مقارنة بالاستهلاك، ليصل إلى نسبة 1.7 في المئة خلال العام 2025، وفقاً لتقديرات منتدى الدول المصدرة للغاز. ووفق تقارير إدارة معلومات الطاقة الأميركية، والبنك الدولي وبحوث كامكو إنفست، فقد بلغ الإنتاج العالمي من الغاز الطبيعي 3,506 مليارات متر مكعب خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025، مسجلاً نمواً بنسبة 1.6 في المئة على أساس سنوي. وجاء هذا الأداء بدعم من النمو القوي الذي سجله انتاج منطقة أميركا الشمالية، والذي عوض التراجع المسجل في الإنتاج في كلا من منطقتي أوروبا الاسيوية وأوروبا خلال نفس الفترة. واتسمت تحركات أسعار الغاز الطبيعي العالمية بالاستقرار النسبي، وإن كانت متفاوتة خلال العام. وبنهاية العام، ووفقاً لبيانات البنك الدولي، ارتفع المتوسط الشهري لسعر الغاز الطبيعي في الولاياتالمتحدة خلال شهر ديسمبر 2025 بنسبة 40.6 في المئة على أساس سنوي ليبلغ 4.25 دولار أميركي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، ويعزى ذلك إلى عدد من العوامل من بينها تعرض البلاد لظاهرة الدوامة القطبية، أي موجات برد قارس غير اعتيادية. وانخفضت أسعار الغاز الطبيعي في أوروبا خلال شهر ديسمبر 2025 بنسبة 31.6 في المئة على أساس سنوي، لتصل إلى 9.48 دولارات أميركية لكل مليون وحدة حرارية بريطانية، وذلك نتيجة الزيادة العالمية في إمدادات الغاز الطبيعي المسال، خاصة من الولاياتالمتحدة، والتي فاقت وتيرة الطلب، ما ساهم في الحد من المخاوف المرتبطة بانخفاض مستويات المخزون نسبياً. صادرات الغاز الأميركي وفقاً لبيانات كبلر، شكلت صادرات الولاياتالمتحدة من الغاز الطبيعي المسال نسبة 56 في المئة من إجمالي واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال خلال العام 2025، وعلى غرار التراجع المسجل في الأسعار الأوروبية، انخفض المتوسط الشهري لسعر الغاز الطبيعي المسال في اليابان خلال شهر ديسمبر 2025 بنسبة 12.5 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 11.06 دولار أميركي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية. ويعزى انخفاض أسعار الغاز الطبيعي في آسيا خلال العام 2025 إلى حدٍ كبير إلى تراجع الطلب من كبار الدول المستهلكة، وفي مقدمتها الصينوالهند. وبصفة عامة، سجل مؤشر أسعار الغاز الطبيعي الصادر عن البنك الدولي تراجعاً بنسبة 6.2 في المئة على أساس سنوي في ديسمبر 2025، ليصل بنهاية العام إلى 104.2 نقطة في المتوسط، وهو ما يعكس تراجع أسعار الغاز في آسيا والاتحاد الأوروبي. من جهة أخرى، برزت الولاياتالمتحدة كأكبر الجهات العالمية المصدرة للغاز الطبيعي المسال خلال العام 2025. إذ جاءت صادراتها من الغاز الطبيعي المسال قوية بما يكفي لتجعلها أول دولة تتجاوز حاجز 100 مليون طن متري من الصادرات خلال عام واحد، وقد جاء هذا التوسع في صادرات الولاياتالمتحدة بدعم من زيادة طاقتها التصديرية من خلال اضافتها لمنشآت جديدة من بينها منشأة بلاكماينز التابعة لشركة فنتشر جلوبال، إلى جانب ارتفاع مستويات الاستهلاك المحلي من الغاز، ما عزز بصورة أكبر الدور المهيمن والمستدام للولايات المتحدة كمصدر عالمي رئيسي للغاز الطبيعي المسال، وأبرز أهميتها المحورية في منظومة الإمدادات العالمية للغاز. وسجل الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي نمواً بنسبة 1.6 في المئة على أساس سنوي خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025، ليصل إلى 3,506 مليارات متر مكعب مقابل 3,452 مليارات متر مكعب خلال الفترة المماثلة من العام 2024، وقد جاء هذا النمو مدفوعاً بصفة رئيسية بالتوسع القوي لإنتاج أميركا الشمالية، والذي عوض التراجع المسجل في مستويات إنتاج كل من أوروبا ومنطقة أوروبية الأسيوية. وفي أوروبا، انخفض إنتاج الغاز الطبيعي بنسبة 2.1 في المئة على أساس سنوي خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025، ليتراجع إلى 152.2 مليار متر مكعب مقابل 155.5 مليار متر مكعب في الفترة المماثلة من العام 2024، وفقاً لبيانات منتدى الدول المصدرة للغاز، ما يشير إلى المسار الهبوطي للإنتاج الأوروبي على مدار العام 2025 بأكمله. غاز أوروبا ويعزى تراجع إنتاج الغاز الطبيعي في أوروبا بدرجة كبيرة إلى انخفاض إنتاج النرويج خلال هذه الفترة، وتبع ذلك تراجع مماثل في مستويات الإنتاج في كلا من المملكة المتحدة وهولندا، ووفقاً لبيانات منتدى الدول المصدرة للغاز، انخفض إنتاج النرويج من الغاز الطبيعي بنسبة 4.1 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 100.3 مليار متر مكعب خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025. وفي منطقة آسيا والمحيط الهادئ، ظل إنتاج الغاز الطبيعي مستقراً، وسجل نمواً هامشياً بلغت نسبته 0.3 في المئة خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025 ليصل إلى 584.6 مليار متر مكعب، بدعم من الارتفاع القوي للإنتاج الصيني، وشهد إنتاج الصين من الغاز الطبيعي تحسناً ملحوظاً، إذ ارتفع بنسبة 6.9 في المئة على أساس سنوي، من 204 مليارات متر مكعب خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2024 إلى 216.9 مليارات متر مكعب خلال الفترة المماثلة من العام 2025. وجاء هذا الارتفاع مدفوعاً بنمو قوي للإنتاج من المصادر غير التقليدية، ولا سيما الغاز الصخري المستخرج من حوضي سيتشوان وشانشي.وفي أميركا الشمالية، ارتفع إجمالي إنتاج الغاز الطبيعي خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025 بنسبة 3.4 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 1,109 مليار متر مكعب. وسجل إنتاج كندا من الغاز الطبيعي نمواً بنسبة 2.5 في المئة على أساس سنوي ليبلغ 193.8 مليار متر مكعب، وفي المقابل، ارتفع إنتاج الولاياتالمتحدة من الغاز الطبيعي بنسبة 4.4 في المئة على أساس سنوي ليصل إلى 1,014 مليار متر مكعب في الفترة من يناير-2025 إلى نوفمبر 2025، مقابل 971 مليار متر مكعب خلال الفترة المماثلة من العام 2024. ووفقاً لتقرير توقعات الطاقة في الأجل القصير لإدارة معلومات الطاقة الأميركية الذي صدر مؤخراً، يتوقع أن ينخفض استهلاك الولاياتالمتحدة من الغاز الطبيعي في العام 2026 بنسبة 1.2 في المئة مقارنة بالعام 2025، ليبلغ 91.45 مليار قدم مكعب يومياً، وهو ما يعادل 2.59 مليار متر مكعب يومياً، في إشارة إلى الاستقرار النسبي لمستويات الطلب، ومتوقع أن يصل إنتاج الولاياتالمتحدة من الغاز الطبيعي المسوق إلى 108.8 مليارات قدم مكعب يومياً (3.08 مليارات متر مكعب يومياً) في العام 2026، بزيادة قدرها 1.4 في المئة مقارنة بالعام 2025. وعلى مستوى القطاعات، تتوقع إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن تنخفض حصة الغاز الطبيعي من توليد الكهرباء في الولاياتالمتحدة من نسبة 40 في المئة في العام 2025 إلى نسبة 39 في المئة في العام 2026. وفيما يتعلق بالأسعار، تتوقع الإدارة أن يبلغ متوسط سعر العقود الفورية في مركز هنري هب نحو 3.53 دولار أميركي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية خلال العام 2025، وأن يستقر عند نفس المستوى البالغ 3.45 دولار أميركي لكل مليون وحدة حرارية بريطانية في العام 2026، وذلك في ظل توقعات بتراجع وتيرة الطلب على صادرات الغاز الطبيعي المسال بالتوازي مع ارتفاع الإنتاج، علماً بأن الولاياتالمتحدة كانت أكبر مصدر عالمي للغاز الطبيعي المسال خلال العام 2025، إذ بلغت صادراتها111 مليون طن متري من الغاز الطبيعي المسال خلال العام. وشهد الاستهلاك العالمي للغاز الطبيعي مساراً من النمو المعتدل خلال العام 2025، ووفقاً للبيانات الصادرة عن كبلر، تراجع الطلب الآسيوي على الغاز الطبيعي المسال من 254 مليون طن في العام 2024 إلى 240 مليون طن في العام 2025، وشكل انخفاض واردات الغاز الطبيعي المسال في الدول الرئيسية المستهلكة للغاز المؤشر الأبرز على وتيرة تباطؤ الاستهلاك. وجاء أكبر تراجع في الواردات من الصين، التي كانت أكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في آسيا خلال العام 2024، وهو ما أتاح لليابان استعادة مركزها كأكبر مستورد للغاز الطبيعي المسال في المنطقة. ويعزى هذا الانكماش الذي سجلته واردات الصين من الغاز الطبيعي المسال بشكل رئيسي إلى تصاعد التوترات الجيوسياسية بين الصينوالولاياتالمتحدة. من جهة أخرى، اتخذت الصين، في ظل هذه التوترات، جملة من الاستجابات السياسية التي شملت تعمدها تقليص واردات الغاز الطبيعي المسال، إلى جانب إطلاق مبادرات استراتيجية لتعزيز أمن الطاقة الوطني عبر تفضيل مصادر الوقود الأقرب جغرافياً. كما ساهم توافر بدائل طاقة أقل كلفة، بما في ذلك التوسع في الإنتاج المحلي من الغاز، وزيادة واردات الغاز عبر خطوط الأنابيب، والاعتماد على الفحم، إلى جانب التوسع في استخدام مصادر الطاقة المتجددة المنتجة محلياً، في تمكين الصين من تسجيل تراجع مفاجئ بنسبة 16 في المئة في واردات الغاز الطبيعي المسال خلال العام 2025. ونتيجة لذلك، سجل الطلب الكلي على الغاز الطبيعي في الصين نمواً محدوداً بنسبة 0.9 في المئة على أساس سنوي خلال العشرة أشهر الأولى من العام 2025، وفي ذات الوقت، يتوقع أن تنخفض واردات اليابان من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 1 في المئة خلال العام 2025، في حين يرجح أن تتراجع مشتريات الهند من الغاز الطبيعي المسال بنسبة 8 في المئة على مدار العام، ويعزى ذلك بصفة رئيسة إلى ارتفاع مستويات الأسعار، إلى جانب تنامي إنتاج الطاقة المتجددة، ما أسهم في تقليص استخدام الغاز الطبيعي المسال في قطاعات توليد الكهرباء والتكرير والأسمدة.