تُعدّ الضغوط النفسية جزءًا لا يتجزأ من الحياة الحديثة، حيث تتشابك المسؤوليات اليومية وتتصاعد التحديات المهنية والاجتماعية لتشكّل بيئة مليئة بالتوتر المستمر. ومع أن كثيرين ينظرون إلى الضغط النفسي بوصفه حالة عابرة تؤثر في المزاج أو النوم أو القدرة على التركيز، إلا أن الدراسات الحديثة تكشف عن أبعاد أعمق لهذا العبء الصامت، إذ يمتد تأثيره إلى صحة الإنسان الجسدية ووظائفه الحيوية بطرق قد لا تبدو واضحة للوهلة الأولى. إذ يؤدي التعرض المزمن للتوتر إلى إفراز مستمر لهرمونات مثل الكورتيزول والأدرينالين، ما ينعكس على الجهاز المناعي وعمليات الالتهاب والتمثيل الغذائي، ويجعل الجسم أكثر هشاشة أمام الأمراض. وفي هذا السياق، تشير استشارية طب الأورام للكبار الدكتورة منيرة حمد الحسيني إلى أن الأبحاث العلمية الحديثة بدأت تسلط الضوء على علاقة معقدة بين الضغط النفسي وبعض أنواع السرطان. وتوضح أن الدراسات المخبرية والحيوانية أثبتت أن التعرض المستمر لهرمونات التوتر قد ينشّط مسارات خلوية داخل الخلايا السرطانية، ما يعزز قدرتها على التكاثر والبقاء، ويزيد من قابليتها للانتشار عبر تكوين أوعية دموية جديدة تغذي الورم. كما توضح أن الضغط النفسي المزمن قد يضعف نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية، وهي إحدى أهم آليات الدفاع المناعي التي تتعرف على الخلايا السرطانية وتقضي عليها في مراحل مبكرة. وتضيف أن مراجعات علمية واسعة ربطت بين التعرض لأحداث حياتية قاسية مثل الفقد أو الطلاق أو فقدان العمل وبين ارتفاع خطر الإصابة ببعض السرطانات، كما أظهرت دراسات أخرى أن مرضى سرطان الثدي الذين يعانون من اكتئاب ترتفع لديهم معدلات الوفاة مقارنة بغيرهم. وتؤكد الدكتورة منيرة أن هذه النتائج لا تعني أن الضغط النفسي سبب مباشر للسرطان، بل عامل مساعد قد يسهم في زيادة القابلية للإصابة أو تسارع تطور المرض، خاصة عند تزامنه مع عوامل خطر أخرى مثل التدخين والسمنة وقلة النشاط البدني. وتبرز هذه المعطيات أهمية العناية بالصحة النفسية بوصفها جزءًا أساسيًا من الوقاية الصحية الشاملة، لا مجرد رفاهية. فالدعم النفسي والاجتماعي، والكشف المبكر عن الاضطرابات المزاجية، وتعزيز الروابط الإنسانية، جميعها عناصر تسهم في تحسين جودة الحياة وتعزيز قدرة الإنسان على مواجهة الأمراض، كما تساعد المرضى على الاستجابة بشكل أفضل للعلاج عند الإصابة بأمراض مزمنة أو خطيرة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى نموذج رعاية صحية أكثر شمولية وإنسانية، يدمج بين العلاج الطبي والدعم النفسي، ويمنح المريض رعاية متوازنة تراعي احتياجاته الجسدية والعاطفية معًا. وبهذا يتضح أن الضغوط النفسية ليست مجرد حالة عابرة، بل عامل مؤثر في صحة الإنسان على المدى الطويل. ومع تراكم الأدلة العلمية التي تربط بين التوتر المزمن وبين اضطرابات صحية خطيرة، يصبح الاهتمام بالصحة النفسية خطوة ضرورية نحو حياة أكثر توازنًا وصحة؛ أصبح الضغط النفسي المزمن أحد أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث، لما له من تأثيرات متشعبة على صحة الإنسان الجسدية والنفسية. وتشير أبحاث علمية متزايدة إلى أن الضغط النفسي قد لا يقتصر أثره على اضطرابات المزاج أو أمراض القلب والسكري فحسب، بل قد يلعب أيضًا دورًا في نشوء بعض أنواع السرطان وتسارع تطورها وسوء مآلاتها. فقد أوضحت دراسات مخبرية وحيوانية أن التعرض المستمر لهرمونات التوتر مثل الأدرينالين والنورأدرينالين والكورتيزول يؤدي إلى تنشيط مسارات خلوية داخل الخلايا السرطانية تعزز تكاثرها وبقاءها، كما تزيد من قدرتها على تكوين أوعية دموية جديدة تغذي الورم، وترفع من قابليتها للغزو والانتشار إلى أعضاء أخرى في الجسم. كما أظهرت هذه الدراسات أن الضغط النفسي المزمن قد يثبط بعض وظائف الجهاز المناعي، وخاصة نشاط الخلايا القاتلة الطبيعية التي تلعب دورًا أساسيًا في التعرف على الخلايا السرطانية والقضاء عليها في مراحل مبكرة. وفي مراجعة علمية شملت أكثر من 30 دراسة سريرية ومراجعة منهجية، تبيّن أن التعرض لأحداث حياتية شديدة مثل فقدان شخص مقرّب، أو الطلاق، أو فقدان العمل، أو المعاناة من عزلة اجتماعية طويلة الأمد، ارتبط بزيادة خطر الإصابة ببعض أنواع السرطان. فعلى سبيل المثال، أظهرت تحليلات بعدية أن التعرض لأحداث نفسية قاسية قد يزيد خطر الإصابة بسرطان الثدي بنحو 50 %. كما كشفت دراسة يابانية واسعة شملت أكثر من 140 ألف شخص أن الأفراد الذين أبلغوا عن مستويات مرتفعة من الضغط النفسي كانوا أكثر عرضة للإصابة بالسرطان بنسبة تقارب 11 % مقارنة بغيرهم. ولا يقتصر التأثير المحتمل للضغط النفسي على مرحلة ما قبل التشخيص، بل يمتد أيضًا إلى مسار المرض بعد اكتشافه. فقد أظهرت تحليلات مجمّعة أن مرضى سرطان الثدي المصابين بالاكتئاب لديهم خطر وفاة أعلى بنسبة تراوحت بين 18 % و30 % مقارنة بالمرضى الذين لا يعانون من اكتئاب. كما ربطت دراسات أخرى بين ارتفاع مستويات الضغط النفسي وازدياد مؤشرات حيوية داخل الأورام مثل عامل نمو الأوعية الدموية (VEGF)، إلى جانب انخفاض نشاط بعض الخلايا المناعية داخل الورم، وهي عوامل ترتبط عادة بإنذار أسوأ وسرعة أكبر في تطور المرض. ورغم هذه النتائج، يؤكد الباحثون أن العلاقة بين الضغط النفسي والسرطان علاقة معقدة ومتداخلة، ولا يمكن اعتبار الضغط النفسي سببًا مباشرًا للسرطان، بل عاملًا مساعدًا قد يسهم في زيادة القابلية للإصابة أو تسارع تطور المرض لدى بعض الأشخاص، خاصة عند تزامنه مع عوامل خطر أخرى مثل التدخين، والسمنة، وقلة النشاط البدني، والنظام الغذائي غير الصحي. ختامًا، تؤكد المعطيات العلمية الحديثة أن العناية بالصحة النفسية ليست ترفًا، بل جزء أساسي من الوقاية الصحية الشاملة ومن رعاية مرضى السرطان على وجه الخصوص. فالاهتمام بالجوانب النفسية، والكشف المبكر عن الاضطرابات المزاجية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي المتكامل، تمثل جميعها عناصر محورية لتحسين جودة حياة المرضى وتعزيز قدرتهم على مواجهة المرض والعلاج. إن بناء نموذج رعاية صحية يدمج بين العلاج الطبي والدعم النفسي خطوة ضرورية نحو طب أكثر إنسانية وشمولية. د. منيرة الحسيني