في خطوة ثقافية تعيد الاعتبار للذاكرة بوصفها أحد مصادر المعرفة، أطلقت هيئة الأفلام عبر مبادرتها "سينماء" برنامج "التاريخ الشفهي للشاشة العربية" الهادف إلى توثيق تجارب صُناع المسرح والدراما، وحفظ مساراتهم المهنية ضمن إطار علمي يسعى إلى بناء مرجعية أرشيفية رصينة للصناعة البصرية في المملكة والعالم العربي، ليؤسس هذا البرنامج مشروعًا توثيقيًا يرصد مسارات صنّاع المسرح والدراما، ويعيد قراءة التحولات التي شهدتها الشاشة السعودية والعربية عبر العقود. والذي يهدف إلى تسجيل شهادات مباشرة لرواد المشهد البصري، وحفظ تجاربهم المهنية ضمن إطار علمي يسعى إلى بناء أرشيف نوعي يعزز الوعي بتاريخ الصناعة ويصون إرثها للأجيال المقبلة. ويأتي البرنامج تحت مظلة الأرشيف الوطني للأفلام، الذي يُعنى بحفظ ذاكرة السينما والدراما العربية، ورصد التحولات التي شهدتها عبر عقود، من خلال توثيق شهادات وتجارب صنّاعها وروّادها، بما يسهم في بناء مرجعية معرفية وأرشيفية نوعية توثق مسيرة السينما والدراما في العالم العربي بمراحلها المختلفة، عبر إنتاج لقاءات حوارية معمقة مع شخصيات مؤثرة في مجالات الإخراج، والتمثيل، والإنتاج، والكتابة، والنقد، والتقنيات السينمائية وغيرها من التخصصات المرتبطة بالصناعة، سعيًا إلى حفظ الخبرات المتراكمة واستحضار التجارب الإنسانية والمهنية التي شكلت ملامح الشاشة العربية، ونقلها إلى الأجيال الجديدة من صنّاع الأفلام والباحثين. في افتتاحية البرنامج، استضافت "سينماء" الفنان راشد الشمراني، الذي انطلق في حديثه من مرحلته الابتدائية، مؤكدًا أن المسرح المدرسي لم يكن غريبًا عنه أو منفّرًا، بل مساحة طبيعية للتعبير. واستذكر معلمه عبدالرحمن الخزيم بوصفه أول من احتفى بموهبته وشجعه، في لحظة تأسيسية قادته إلى الوقوف على الخشبة. وتواصل حضوره في المرحلة المتوسطة بمدينة تبوك من خلال المشاركة في عمل مسرحي وصفه بالتجربة التي عززت ثقته باختياره، قبل أن يتجه في المرحلة الجامعية إلى مسرح جامعة الملك سعود، الذي اعتبره محطة مفصلية في تكوينه الفني، حيث احتك بأسماء بارزة مثل بكر الشدي وداود الشريان، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الحاضرين اليوم في الساحة هم من خريجي مسرح الجامعة. وأوضح أن أول ظهور حقيقي له كان عبر مسرحية "القادسية" التي شكلت محطة إعلان حضوره في الساحة الفنية، قبل أن يستقطبه المخرج مهدي يانس إلى الإذاعة، حيث كانوا يسجلون الأعمال ليلًا لتبث في الصباح الباكر، وهي تجربة عملية صقلت أداءه وعززت وعيه بأهمية الصوت في العمل الدرامي. وبعد التخرج توجه إلى الطائف للعمل العسكري، إلا أن المسرح ظل حاضرًا في يومه الأول هناك، إذ بحث عن جمعية الثقافة والفنون بالطائف، وقدم أول تجربة مونودراما، ثم بدأ الكتابة فكانت أول مسرحية له "مع الخيل يا عربان" وأكد أن تخصصه الأكاديمي أسهم في دعمه دراميًا وفنيًا، كما برزت في الثمانينات أسماء كان لها أثر داعم في مسيرته مثل: محمد الطويان، ومحمد العلي، وعلي إبراهيم، وعلي المدفع. واستعاد الشمراني، تجربة مسرحية "عويس التاسع عشر" بإخراج عامر الحمود، التي نُفذت في جمعية الثقافة والفنون بالطائف، ثم عُرضت في مسرح الشباب الخليجي بالكويت، متوقفًا عند سهرة "حمود ومحيميد" التي كان يفترض عرضها تلفزيونيًا، إلا أن خلافًا مع الشركة المنتجة أدى إلى تسرب جزء منها، ليحقق العمل انتشارًا واسعًا ويصبح من أوائل الأعمال مشاهدة في وقته. وأشار إلى أن «حمود ومحيميد» كانت نواة لأعمال اجتماعية كوميدية لاحقة، وعلى رأسها «طاش ما طاش»، رغم وجود تجارب سابقة للنمط ذاته، إلا أن العمل الذي استمر وأثر بوضوح هو «طاش ما طاش»، لما اتسم به من طرح قضايا اجتماعية جريئة في قالب كوميدي شعبي قريب من الناس، ما جعله عملاً أيقونيًا راسخًا في الذاكرة. كما استعاد مسرحية «ديك البحر» التي عرضت أولًا في مهرجان الجنادرية وحصلت على جائزة في مهرجان قرطاج، حيث اعتمدت على الموروث الشعبي الجيزاني، الذي يؤكد الشمراني حبه له واعتزازه به، موظفًا هذا الموروث في صياغة درامية خالصة. وتطرق إلى دراسته للدكتوراة في الدراما النفسية، موضحًا أنها جمعت بين شغفه الشخصي ومهنته الفنية، إذ قدم على البعثة لتعميق معرفته بالجانب الأكاديمي للفن. ومن خلال هذه التحولات الاجتماعية والفنية، عرج الشمراني على أوبريت «مجد بلادنا»، بوصفه أول عمل يدخل الدراما إلى أوبريت الجنادرية، قبل الانتقال إلى تجاربه التلفزيونية مثل: «خطوات على الجبال»، و«بيني وبينك» مع فايز المالكي، حيث لاقت شخصية «الواصل» نجاحًا لافتًا لقربها من الجمهور، إضافة إلى مسلسل «معالي الوزير» من إخراج ثامر الصيخان، الذي وصفه بالمخرج المختلف وأول من أخرج مسلسلًا للجوال. وأكد الشمراني أن العمل الشعبي هو الأكثر تأثيرًا ونجاحًا، وأن الأعمال المقتبسة من أعمال أجنبية لا تعكس روح المجتمع، على عكس الأعمال الوطنية الشعبية التي تبرز أطياف المجتمع كافة، مشيدًا في الوقت ذاته بالمشهد السينمائي الحالي، وبما تقدمه هيئة المسرح وهيئة الأفلام من أعمال متقنة ومؤثرة على المستوى الثقافي والفني. ويهدف برنامج «التاريخ الشفهي للشاشة العربية» إلى إنتاج أربعين حوارًا على عدة مواسم، تتراوح مدة كل منها ساعة، تُبنى على أسئلة بحثية مُعدّة بعناية من فريق متخصص، بما يضمن عمق الطرح ودقته التاريخية ومنهجيته العلمية. وتوفر هذه اللقاءات مادة بحثية ثرية للدارسين والمهتمين بتاريخ السينما والدراما العربية، وتسهم في رفع الوعي بتحولاتها الأنثروبولوجية، بوصف التاريخ الشفهي أداة فاعلة في حفظ التجارب غير المدوّنة، واستعادة السرديات الفردية التي تشكل الذاكرة الجمعية للصناعة السينمائية والدرامية.