ليست قضايا الحضانة مجرد ملفات تُفتح على طاولة القضاء، ولا نزاعًا قانونيًا تُحسمه نصوص الأنظمة وحدها، وإنما هي معارك صامتة يدفع ثمنها طفل بريء، يجد نفسه فجأة موضوعًا للخلاف بدل أن يكون محور العناية والرحمة. في كل دعوى حضانة تختبئ حكاية خوف، وأسئلة دامية، واستشارات تبحث في حقيقتها عن الأمان لا عن الغلبة، وعن الاستقرار لا عن تسجيل الانتصارات. وبين شدّ وجذب، يبقى الطفل الطرف الأضعف، والأكثر تأثرًا بنتائج لا يملك القدرة على فهمها أو الاعتراض عليها، فيتحمل بصمت آثار قرارات لم يُستشر فيها ولم يُهيأ لقبولها. الحضانة في أصلها ليست حقًا يُنتزع، ولا غنيمة تُكسب، وإنما مسؤولية ثقيلة وأمانة أخلاقية قبل أن تكون مركزًا نظاميًا. فالطفل لا يعنيه اسم من صدر الحكم لصالحه، ولا مقدار ما كُتب في الصك، بقدر ما يعنيه من يمنحه الاستقرار، ويصون مشاعره، ويبعده عن صراعات الكبار. وهنا يبرز السؤال الجوهري: لمن تكون الحضانة حقًا؟ للأب أم للأم؟ أم لذلك القلب الأرحم القادر على حماية الطفل من الانكسار، وتقديم مصلحته على الرغبات الشخصية والاعتبارات الآنية؟ يقف المحامي في قضايا الحضانة أمام اختبار لا يقاس بمهارته في المرافعة وحدها، وإنما بوعيه الإنساني ومسؤوليته المهنية. فالمحامي ليس مجرد وكيل يسعى لتحقيق رغبة موكله بأي وسيلة، بل شريك في توجيه النزاع نحو ما يحقق المصلحة الفضلى للمحضون. وقد يكون الانتصار في الحكم، إذا خلا من الحكمة، خسارة فادحة لطفل يُنتزع من بيئته المستقرة، أو يُستخدم أداة ضغط في صراع لا ينتهي بين طرفين لم يحسما خلافاتهما. المحامي الواعي يدرك أن القانون لم يُشرّع ليكون أداة إيذاء، بل وُضع لحماية الضعيف وتحقيق العدل. ولذلك فإن دوره لا يقتصر على كسب الدعوى، وإنما يمتد إلى النصح الصادق، وبيان العواقب النفسية والاجتماعية، والدفع نحو الحلول التي تقلل من الأذى على الطفل، ولو تطلب ذلك تهدئة المواجهة أو تشجيع التسوية. فليست كل دعوى تُربح مكسبًا حقيقيًا، ولا كل تنازل يُعد هزيمة، إذا كان الهدف حماية نفس بريئة من التشظي. كم من قضية حضانة حُسمت قضائيًا، لكنها خلّفت طفلًا قلقًا، مضطربًا، فاقدًا للإحساس بالأمان! وكم من نزاع غذّته الرغبة في الانتقام أو العناد، فكانت الطفولة هي الضحية الصامتة! هنا تتجلى خطورة تحويل قضايا الحضانة إلى ساحات صراع شخصي، يغيب فيها صوت الطفل خلف ضجيج المطالب والردود والمذكرات المتبادلة. الحضانة مسؤولية قلب رحيم، ووعي تربوي، وقدرة على الاحتواء قبل القدرة على المطالبة. وهي بيئة مستقرة تُقدَّم فيها مصلحة الطفل على رغبات الكبار، ويُنظر فيها إلى المستقبل لا إلى لحظة الانتصار. والمحامي حين يستحضر هذا المعنى، يتحول من خصم قانوني إلى عنصر توازن، ومن مدافع عن موقف إلى حارسٍ للعدل الإنساني. وفي النهاية، يبقى السؤال حاضرًا بإلحاح: المحامي والحضانة.. لمن؟ والجواب ليس اسمًا يُدوَّن في حكم، وإنما مصلحة طفل يجب أن تُصان. فالحضانة لمن يستطيع أن يمنحه الطمأنينة، ويحميه من الانكسار، ويقدّم له الأمان فوق كل انتصار، لأن العدالة الحقة هي التي تحفظ القلب قبل أن تحسم النزاع. سلمان الرمالي