ليست الكتابة دائمًا فعل بحث، ولا كل نص مغامرة فكرية. في أحيان كثيرة، تتحول إلى ممارسة ناعمة للبقاء في المنطقة ذاتها. نكتب.. لا لنفهم أكثر، بل كي لا نضطر إلى التغيّر. في المشهد الأدبي المعاصر، يبدو الحضور كثيفًا، والنصوص غزيرة، غير أن الأسئلة الكبرى نادرة. نقرأ كثيرًا عن الوجع، عن الخسارة، عن الخذلان، عن الذات المتعبة، لكننا نادرًا ما نقرأ عن تفكيك هذه الحالات أو الاقتراب منها بزاوية جديدة. وكأن الكتابة أصبحت تسجيلًا للمشاعر لا مساءلة لمصادرها، ووصفًا للحالة لا محاولة لفهم مسارها. هذه الظاهرة لا ترتبط بضعف الموهبة ولا بقلة الوعي اللغوي، بل بخيار غير معلن وهو أن تكون الكتابة ملاذًا نفسيًا أكثر من كونها أداة كشف. كثير من الكتّاب يكتبون ضمن تقارب واحد، يعودون إليه مرارًا، لا لأنهم عاجزون عن الخروج منه، بل لأنه يمنحهم شعورًا بالأمان. الاقتراب من الجرح ذاته أسهل من الاقتراب من سؤال جديد، والدوران حول الفكرة المألوفة أقل كلفة من الذهاب إلى منطقة شك حقيقية. ومع الوقت، تتحول الكتابة إلى وسيلة لتثبيت الذات: هذا أنا، وهذه رؤيتي، وهذا موقفي الذي لا يحتاج مراجعة. الخطورة هنا ليست في هذا التقارب بحد ذاته، فلكل كاتب عالمه ومناخه الخاص، بل في الخوف من كسر هذا التقارب، أو توسيعه، أو مساءلته. أن يكتب عن الألم دون أن يقترب من جذوره، وعن الخسارة دون أن يسائل دوره فيها، وعن الآخر بوصفه سبب الإرباك الدائم. في هذه النقطة، تفقد الكتابة أحد أدوارها الأساسية: أن تكون مساحة قلق. الأدب، في جوهره، ليس إعادة إنتاج للمعروف، بل اقتراب شجاع من المجهول. وحين يتحول النص إلى تأكيد مستمر لزاوية واحدة، يصبح أقرب إلى خطاب مريح منه إلى فعل إبداعي حي. تسهم البيئة الثقافية في تكريس هذا النمط. فالقارئ، بدوره، يفضّل الكاتب حين يبقى قريبًا مما اعتاده، وحين لا يبتعد كثيرًا عن نبرته المألوفة. يكافئ التقارب المتكرر، ويخشى التحوّل، ويستقبل الاختلاف بصمت بارد. ومع الوقت، ينشأ اتفاق غير معلن بينهما وهو:- كاتب لا يغامر بالابتعاد، وقارئ لا يريد أن يُفاجأ. أما المنصات الحديثة، فقد عمّقت هذا السلوك. سرعة النشر، وردود الفعل اللحظية، ومعايير القبول والانتشار، كلها تدفع الكاتب إلى الالتزام بما ينجح، لا بما يربكه. فيُعاد إنتاج النصوص ضمن تقارب واحد، مصقول، سهل التلقي، قليل المخاطرة. لكن الأدب الذي لا يوسّع دائرة اقترابه، ولا يختبر حدوده، ولا يضع صاحبه في مواجهة أسئلة غير مريحة، هو أدب أنيق، لكنه محدود الأثر. الكتابة الشجاعة لا تعني الصدام ولا الاستفزاز، بل الاستعداد لكسر التقارب الآمن: الاقتراب من فكرة لم تُختبر، من سؤال بلا إجابة جاهزة، من منطقة قد تغيّر الكاتب قبل أن تغيّر القارئ. وحين يخشى الكاتب هذا الكسر، يختار -بوعي أو بدونه- أن يكتب ليبقى قريبًا مما يعرفه. نصوص متقنة، مشاعر مألوفة، وزوايا محسوبة. لا خطأ فنيًا هنا، لكن هناك غيابًا لوظيفة الأدب الأعمق. السؤال الذي يستحق الطرح اليوم ليس عن جمال اللغة، ولا عن صدق الشعور، بل عن مدى استعدادنا للابتعاد قليلًا عن تقارباتنا المريحة: هل نكتب لنوسّع رؤيتنا؟ أم نكتب كي نحافظ عليها كما هي؟ فالأدب الذي لا يغيّر مسافة الكاتب من أفكاره، قد يُمتع القارئ لحظة، لكنه نادرًا ما يترك أثرًا طويل المدى. والنص الضروري حقًا، هو ذاك الذي يفرض على صاحبه اقترابًا جديدًا... ولو كلّفه ذلك فقدان اليقين.