يشهد العالم اليوم تصاعدًا غير مسبوق في الأزمات السياسية والعسكرية والاقتصادية والتقنية، وغالبًا ما يصوَّر هذا المشهد على أنه انهيار النظام العالمي القائم، إلا أن هذا التوصيف يبقى مضللاً؛ إذ إن ما يجري لا يمثل انهيارًا شاملاً، بل إعادة تموضع بنيوية لنموذج عالمي لم يعد قادرًا على إدارة التعقيد المتزايد. إن التفكّك هو الوصف الأدق لما يحدث في العالم اليوم؛ إذ إن التفكك لا يعني الفوضى، بل يشير إلى تآكل البنية المنظمة وتفكك الروابط التي كانت تضبط سلوك الفاعلين. وما نشهده اليوم هو بصيغة أخرى ضمور أدوات الضبط للنظام العالمي، فقد بُني النموذج الذي أعقب الحرب العالمية الثانية على قواعد الدولة الوطنية الصلبة، والمؤسسات الدولية البيروقراطية، والاقتصادات الصناعية، والتبادلات التجارية والمالية التقليدية. كما رُوِّج بعد الحرب الباردة لأيديولوجية تفترض أن الدفع بالحرية الفردية، والأسواق الحرة، والتكنولوجيا المطلقة، سيخلق استقرارًا دائمًا تحت مظلة الديموقراطية، ويُنتج صورة ذهنية محددة لمفهوم الدولة الحديثة على هذا الأساس. واجه هذا النموذج خلال العقود الماضية تحديات متراكمة، جرى التعامل معها بوصفها مشكلات تهدد استقرار النظام العالمي، مع أن هذا الاستقرار كان في حقيقته مؤشرًا على بداية تفككه، جاءت الأزمة المالية العالمية عام 2008 لتكشف هشاشة العولمة الاقتصادية، وتؤكد أن مركزها المالي لم يكن محصنًا أمام الانهيارات المفاجئة. وفي الوقت ذاته، شهدت الساحة الدولية تمدد الصين بثبات في مجالات التجارة والاستثمار والتكنولوجيا، فيما أظهرت سيطرة روسيا على شبه جزيرة القرم عام 2014 ضعف القدرة المؤسسية للنظام الدولي على ضبط سلوك القوى الكبرى، ما أعاد إحياء أجواء الحرب الباردة، ولكن بأدوات أكثر تعقيدًا وتشابكًا، مؤكّدًا أن أدوات النظام العالمي لم تعد كافية لاحتواء هذا النوع من التحولات، بل ولم تعد قادرة على مواجهة تحوّر التهديدات الأمنية، كما ظهر في بروز تنظيم داعش الإرهابي ومفهوم "الخلافة" المزعومة في مواجهة الدولة الوطنية. ومع بداية العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين، كشفت جائحة كوفيد-19 هشاشة سلاسل الإمداد العالمية ومحدودية قدرة المؤسسات الدولية على إدارة أزمة صحية عابرة للحدود. وفي الوقت نفسه، بدأ تغيّر المناخ يتحول من نقاش نظري إلى عامل ضغط استراتيجي يهدد الأمن الغذائي والمائي والاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في آنٍ واحد. أما التكنولوجيا، فقد تحولت إلى ميدان تنافس مباشر بين القوى الكبرى، حيث أصبح التفوق في الذكاء الاصطناعي والسيطرة على الفضاء السيبراني معيارًا جديدًا للقوة، وكشفت التحولات الرقمية عن سرعة تتجاوز بكثير قدرة المؤسسات التقليدية على المواكبة والتنظيم. وفي هذا المشهد، برزت مؤشرات إضافية على تفكك النظام العالمي وعجزه عن الحفاظ على نموذجه، تمثلت في تصاعد أنماط السلوك الأحادي لدول، واستمرار نزاعات مفتوحة في أكثر من مسرح دولي، وارتفاع منسوب التوتر في نقاط التماس الاستراتيجية، وعودة النزاعات في مناطق الهشاشة المزمنة. وهي مؤشرات تظهر أن النظام العالمي لم يعد مطالبًا بإدارة أزمات منفصلة، بل يواجه شبكة ضغوط متزامنة ومتداخلة ومختلفة في طبيعتها ومستوياتها. ما يجمع هذه الأحداث ليس التشابه في طبيعتها، بل كونها تسلط الضوء على شبكة ضغوط تكشف حدود قدرة النظام العالمي على الاستجابة والتكيّف. فالأمن والاقتصاد والطاقة والصحة والتكنولوجيا لم تعد ساحات منفصلة، بل مجالات مترابطة، يفاقم كلّ منها هشاشة الآخر، لتتحول مجتمعة إلى اختبار شامل لبنيته المؤسسية. وفي مقابل هذه التحديات، يتشكّل نموذج آخر لم يكتمل بعد، تحركه التقنية والقضايا العابرة للحدود، وتُبنى معارفه وسياساته على أدوات الذكاء الاصطناعي، وتُدار معاملاته المالية بالعملات الافتراضية، وتحكمه المعاملات السريعة والتفاعلات المباشرة. المسافة بين النموذجين القديم والجديد هي ذاتها مسار الأحداث التي تشكّل واقعنا اليوم، وعلى الرغم من أن هذه الأحداث قد تبدو ظاهريًا بلا مركز، فإنها تتحرك في الواقع ضمن منطق جديد لم يُفهم بالكامل بعد، وتعتمد قراءة هذه المرحلة على زاوية النظر إليها؛ فالأدوات التقليدية تعتبرها حالة تفكك مربك، بينما تراها الأدوات الاستراتيجية عملية إعادة تموضع وتوزيع عميق لمصادر القوة والقدرة على التأثير، ومن دون سردية تفسيرية واضحة ومتماسكة، ستستمر نظريات المؤامرة بالانتشار، وتعود موجات التطرف بأشكال مختلفة. وباختصار، يمكن وصف الواقع الراهن بأن العالم يمر بمرحلة مخاض تُعاد فيها صياغة المفاهيم الكبرى المرتبطة بالقوة والسيطرة والتأثير. وتُصنع خلالها صورة ذهنية جديدة للدول، ترتبط بالمنصات والشركات والاستثمارات والخوارزميات أكثر من ارتباطها بالمؤسسات التقليدية لتكون قادرة على إدارة ذكية للتعقيدات ورفع مستوى الاستجابة، كما تُعاد رسم خطوط العلاقات الدولية، من الدبلوماسية إلى التحالفات والتكتلات السياسية، وتبرز دول قادرة على إدارة التعقيد من خلال المفاوضات والمساومات. وفي هذا السياق، تتحول الشعارات إلى بيانات، والبيروقراطية إلى خوارزميات، وتُعاد موضعة الأيديولوجيات المطلقة، ولا سيما تلك المرتبطة بمفاهيم الحرية والأسواق. إن المشهد الراهن ليس نسخة مكررة لبدايات القرن العشرين، لكنه يتقاطع معه في الجوهر: تراكم أزمات متعددة المجالات تضغط لتفكيك النموذج الدولي القائم، تمهيدًا لإعادة تشكيل واقع عالمي جديد، في لحظة انتقالية عالقة بين نموذج تقليدي يترنح وآخر لم تتضح معالمه بعد، وحالة القلق التي يعيشها العالم اليوم لا تنبع من التحول بحد ذاته، بل من غياب سردية تفسيرية وخريطة واضحة للنظام المقبل. وهنا تكمن الدلالة الاستراتيجية لتفادي كلفة عدم الاستعداد للواقع الجديد؛ فرغم مخاطرها وصعوبة تشخيص مساراتها، فإنها تمنح في الوقت ذاته فرصة لإعادة توزيع النفوذ، وصياغة قواعد أكثر توازنًا. فالفاعلون القادرون على التعرف المبكر على مصادر القوة الجديدة، وبناء استراتيجياتهم لهذه المرحلة على هذا الأساس، سيكونون الأقدر على حجز موقع قيادي في القرن الحادي والعشرين، والمشاركة في رسم خريطة النظام العالمي المقبل. د. مرزوق الرويس