القنافذ تختار لنفسها مسافة معينة من السلامة، مسافة تضمن لها الدفء الكافي، وفي الوقت نفسه أقل درجة ممكنة من الألم.. ولذا وجب على الإنسان المعاصر في ضوء اتساع رقعة العلاقات الإنسانية أن يضع لنفسه تلك المسافة الآمنة ليحيا في سلام نفسي من وخز الإبر المؤلم للغاية.. أطلق الفيلسوف الألماني شوبنهار نظرية معضلة القنافذ (Hedgehog's dilemma) وهي نظرية اجتماعية تناقش الحميمية الإنسانية من عدمها، فهل الآخر هو الجحيم كما قال سارتر، أم النعيم كما ذكر أرسطو أن الإنسان كائن مدني اجتماعي، أو كما ذكر نيتشه أن الآخر هو النعيم؟ نظرية الفيلسوف الألماني شوبنهاور تقول: إن القنافذ في فصل الشتاء وإحساسها البرد القارس تجنح إلى التقارب طلبا للدفء، ولكنها تتألم من وخز الأشواك فتبتعد ثم تقترب مرة أخرى وتتكرر المحاولات بين الألم واللذة. وإذا صاغ شوبنهاور نظريته فإنه كان يتحدث عن التحديات التي تواجه العلاقات الحميميّة بين الإنسان وأخيه الإنسان؛ علاقات القرب والبعد، التداني والتباعد. وعمد إلى صياغة هذه العلاقة، بوصف الحالة التي تعيشها مجموعة قنافذ، في الليالي المطيرة الباردة، إذ يسعى كل واحدٍ منها ليصبح على مقربة من الآخر، من أجل تبادل الحرارة خلال الطقس البارد. وإنا إذا ما تأملنا في هذه النظرية، وفي كل ما طرحه جل الفلاسفة قبله وبعده في هذا المضمار، فسنجد كثيرا من التفاوت في الطرح بحسب بيئة الفيلسوف ومحيطه الاجتماعي أكثر مما يستند على مقياس علمي فلسفي. وبطبيعة الحال ومن المسلم به أن الإنسان قد فطر على حب الجماعة قد تصل في كثير من الأحيان إلى حد الالتصاق، فيما يسمى بنظرية القطيع لدى الإنسان الأول، هذا الالتصاق في مجمله لا يتحقق على الإطلاق، نظرا للطبيعة البشرية ذاتها فيظل هذا الإنسان في عناء دائم للبحث عن الجنة المفقودة التي نشأت بمقتضاها نظرية الذات والموضوع. نظرية الذات والموضوع هي ما تسبب ذلك الشقاء الدائم للإنسان، ذلك لأنه في حالة بحث دائم عن المعرفة، وهذا أساس نشأة الفنون فيما يطلق عليه نظرية المحاكاة في كل الفنون الدرامية والتشكيلية أيضا.. فمحاولات الإنسان في استعادة جنته المفقودة بدأت بمراحل معاناته وأولها منذ اللحظة الأولى التي يخرج فيها الإنسان من رحم أمه، حين يخرج إلى عالم غير عالمه، وهواء غير هوائه الذي يتنفسه، فقطع الحبل السري وفصله عن المشيمة التي تمثل الأم الأولى لذلك العالم، هو أول صفعاته وهو حبل المشنقة الذي كان يلف حول رقبته ويصله بدماء الأم من تغذية وأكسجين في سائل هلامي هو نعيمه الذي كان فيه مستقر. ثم يتلقى صفعات الطبيب وهو يضرب على ظهره بعنف لكي يحاكي عالمه الفعلي، فيصرخ أولى صرخاته ليس من الألم فحسب، وإنما احتجاجا على وجوده في عالم مغاير، وهنا عليه هو دون غيره الاختيار؛ يا الاختناق والموت أو التسليم بهذا العالم الجديد في وجود لفيف من البشر حوله، ومن هنا يدرك الإنسان أنه لا يدرك نفسه ووجوده إلا بمعاونة الآخرين له كما يقول الفيلسوف الألماني نيتشه، ثم تأتي صفعته الأشد ألما وهي مرحلة الفطام عن ثدي أمه وهي من أصعب الأمور في الفصل الدائم بين الذات والموضوع، وهو الأساس لتطور الفنون الدرامية كما أسلفنا لنظرية المحاكاة. وإذا ما اقتربنا من واقعنا وبصفة خاصة في المجتمعات القبلية التي تحوطها الصحراء من كل اتجاه، ينتج لدينا نوع من الخوف من المجهول، حينها يلجأ في العيش في جماعات قبلية، يخضع لقوانينها طواعية للحفاظ على هذا الأنس.. ولكن مع تطور المعرفة والفضاءات المفتوحة نجد أن العلاقات الإنسانية تتسع رقعتها كثيرا، ولكنه سرعان ما تنفصل فلا تبقي على ألق الصحبة الذي كان بالأمس وكأن شيئا لم يكن! فهل تفسخ العلاقات المبنية على ود يصبح زائفا في أقرب وقت هو الخوف من الآخر؟ الخوف كما في نظرية القنافذ: الخوف من ألم وخز الأشواك كما قال شوبنهاور، أم أنه تقارب تصنعه المصالح وهذا أدهى وأمر إن صح ذلك؟ بالرغم من كونها الفرضية الأقرب في عالم تحكمه المادة! إنها ثقافة (التيك أوي) في عالمنا المعاصر، على غرار ثقافة الوجبات السريعة والجاهزة، مما يعكس ذلك الاستهلاك السريع في كل شيء حتى العلاقات الاجتماعية التي تبدو اليوم قوية الأواصر محبة متفانية شديدة الالتصاق والود والعطاء وفي الغد لا تجد لها تأثيرا، فيذوب الحميم كذوبان الثلج في هجير مستعر، أمر غريب ويدعو للدراسة في مجال العلوم الاجتماعية، ذلك لأنها تسبب عناء وشقاء وألما لدى البعض نتاج فقدان الثقة في كل شيء بل يتجاوز الأمر إلى الإحساس بالوحدة والغربة المقيتة والمخيفة في الوقت نفسه! إن ما رصدناه في موسوعة (حكمة النقد بين الأنس والاغتراب) وما نتج عنه من نتائج مؤلمة تعود بالضرر الاجتماعي والنفسي وحتى الأسري في أغلب الأحيان، لما تكتنفه هذه الدراسة من مؤثرات شديدة التأثير على الذهنية والوعي العربي نتاج تدفق العديد من النظريات التي لا تناسب طينتنا. ولعل ثقافة التيك أوي التي انتقلت من محيطها الغذائي إلى سوق بشري شديد الخطورة والقبح إن جاز التعبير، لما للذهنية العربية من وله شديد للحميمية التي باتت تتسرب من بين أصابع البشر فلا تترك إلا الغربة النفسية التي باتت واضحة المعالم والكل يلاحظها. إن القنافذ وجدت حلا لهذه المعضلة، واستحدثت طريقة أسماها شوبنهاور المسافة الآمنة (Safe distance) إذا يختار القنفذ مسافة معينة من السلامة، مسافة تضمن له الدفء الكافي، وفي الوقت نفسه أقل درجة ممكنة من الألم. ولذا وجب على الإنسان المعاصر في ضوء اتساع رقعة العلاقات الإنسانية أن يضع لنفسه تلك المسافة الآمنة ليحيا في سلام نفسي من وخز الإبر المؤلم للغاية.