هبطت البيتكوين إلى ما دون عتبة 90,000 دولار لأول مرة منذ 20 يوماً، أمس الاربعاء، وذلك في أعقاب خسارة بلغت 4 % سجلتها يوم أمس. وقال سامر حسن، كبير محللي أسواق إكس اس دوت كوم، يسلط هذا التراجع في سوق العملات المشفرة الضوء على ضعف شديد في هيكلية السعر، مدفوعاً بتصاعد التوترات الجيوسياسية في غرينلاند والشرق الأوسط. ومما يفاقم حالة عدم الاستقرار هذه هو انكماش سيولة السوق، الناتج عن وصول العوائد على معظم آجال السندات الحكومية اليابانية إلى مستويات قياسية، في وقت يترقب فيه المستثمرون قرار السياسة النقدية المرتقب لبنك اليابان. يتعزز هذا التحول نحو العزوف عن المخاطرة بوصول الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى دافوس، حيث دفع إنذاره النهائي القائم على مقايضة "غرينلاند أو التعريفات الجمركية" العلاقات عبر الأطلسي إلى نقطة الانهيار. ووفقاً لرئيس الوزراء السويدي الأسبق كارل بيلدت، فإن خطاب الرئيس يمثل "تحذير نيرو" للنظام الدولي القائم، مما دفع الاتحاد الأوروبي لتجميد الاتفاقيات التجارية والتحضير لضربة انتقامية بقيمة 93 مليار يورو. تسعر الأسواق حالياً دوامة هبوطية خطيرة، في ظل تحذيرات قادة أوروبيين مثل أورسولا فون دير لاين من رد حاسم على الإكراه الاقتصادي الأمريكي. بينما يحث وزير الخزانة سكوت بيسنت على التمهل ومواصلة التفاوض، فإن التهديد بفرض رسوم بنسبة 200 % على السلع الفرنسية يشير إلى مفارقة ساخرة؛ وهي أن حقبة مجلس السلام قد تبدأ باندلاع حرب تجارية عالمية. بالتزامن مع ذلك، فإن الخيارات العسكرية الحاسمة التي يتم صقلها ضد طهران تضخ "علاوة خوف" هائلة في أسواق الطاقة والمخاطر. على جانب السيولة، تتعرض تحركات رؤوس الأموال المضاربية لضغوط هائلة مع وصول عوائد السندات الحكومية اليابانية إلى مستويات قياسية عبر كافة الآجال. يأتي هذا الارتفاع في تكاليف الاقتراض في الوقت الذي يستعد فيه بنك اليابان لاجتماع سياسة نقدية محوري، حيث يتعين على المسؤولين الموازنة بين تضخم أسعار الغذاء المستمر وتقلبات الين. وبحسب كو ناكاياما من شركة أوكاسان للأوراق المالية، يواجه بنك اليابان عقبات كبيرة في المضي قدماً نحو مزيد من رفع الفائدة، نظراً للموقف المحلي المؤيد لرفع الأسعار الذي تتبناه رئيسة الوزراء تاكايشي. مع ذلك، فإن مجرد توقع حدوث تحول متشدد قد أدى بالفعل إلى تقليص السيولة العالمية، وهو ما تجلى في هبوط المراكز المفتوحة في سوق العقود الآجلة للعملات المشفرة إلى أدنى مستوى شهري تقريباً عند 132 مليار دولار. كما تظهر شهية المؤسسات للأصول الرقمية علامات على الفتور، حيث عكست صناديق البيتكوين المتداولة في الولاياتالمتحدة مسارها لتسجل تدفقات خارجة تقارب 500 مليون دولار خلال جلستين فقط. يشير هذا التدفق المتقلب وغير المستقر إلى أن التدفقات القياسية التي شهدها الأسبوع الماضي كانت مدفوعة بالأموال الساخنة المضاربة، وليس بعمليات المراكمة الراسخة طويلة الأجل المطلوبة لاستدامة السوق الصاعدة. في نهاية المطاف، يصارع السوق عالماً يحل فيه التهديد بالقوة وحافة الهاوية المالية محل الدبلوماسية الاقتصادية بشكل متزايد. كما أشار نايجل فاراج، فإننا نشهد أكبر تصدع في التحالفات الغربية منذ عقود. قد يجبر هذا الواقع المستثمرين على الخروج من الأصول ذات المخاطر العالية والعودة إلى أمان السيولة النقدية وأدوات التحوط الدفاعية ضد التقلبات. في وقت، يشهد زوج الدولار الأمريكي/الين الياباني في هذه المرحلة الحساسة تراجعًا ملحوظًا إلى مستوى قرب 158، وهو تطور أراه انعكاسًا طبيعيًا لتقاطع عدة عوامل اقتصادية وجيوسياسية في توقيت واحد، وليس مجرد حركة تصحيحية عابرة، بحسب رانيا جول، كبير محللي الأسواق لدى إكس اس دوت كوم لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. يعكس وصول الزوج إلى محيط 157.85 يعكس بالدرجة الأولى حالة الضعف التي يعاني منها الدولار الأمريكي على نطاق واسع، وهو ضعف ناتج عن تصاعد التوترات التجارية بين الولاياتالمتحدة والاتحاد الأوروبي، ما أعاد إلى أذهان الأسواق سيناريوهات الحروب التجارية التي طالما ضغطت على شهية المخاطرة العالمية وأضعفت العملة الأمريكية في دورات سابقة. وهذا التراجع الأخير لمؤشر الدولار الأمريكي إلى ما دون 99.20 ليس حدثًا تقنيًا فحسب، بل هو إشارة جوهرية على أن الأسواق بدأت تعيد تسعير المخاطر السياسية والاقتصادية المرتبطة بالسياسات الحمائية الأمريكية. وفرض تعريفات جمركية جديدة بنسبة 10 % على دول الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، في سياق سياسي حساس، يعزز مخاوفي من أن الإدارة الأمريكية قد تدفع الاقتصاد العالمي إلى مرحلة من عدم اليقين التجاري، وهو ما يضعف الدولار كعملة احتياط مهيمنة ويزيد من توجه المستثمرين نحو تنويع مراكزهم بعيدًا عنه. ومن خلال قراءة لأداء العملات، لا يقتصر ضعف الدولار على الين فقط، بل يمتد أمام معظم العملات الرئيسية، وهو ما يؤكد أن الضغط الحالي ذو طابع عام وليس ثنائيًا مرتبطًا فقط بالدولار/ين. ومع ذلك، فإن الين الياباني يبدو مستفيدًا نسبيًا من هذا المشهد، رغم التحديات الداخلية، بسبب دوره التقليدي كعملة ملاذ آمن في فترات التوترات الجيوسياسية والتجارية. وفي تقديري، فإن هذا العامل سيظل داعمًا للين على المدى القصير، حتى وإن كانت المكاسب محدودة بسبب عوامل محلية مضادة.