كثيراً ما أقرأ خطابات تشبه نشرات طوارئ فكرية، تصدر عن أشخاص قرروا -فجأة ومن دون سابق إنذار- أنهم آخر خط دفاع عن الوعي الإنساني. خطابات تبدأ بالشتيمة، يتخللها إصدار أحكام قطعية، وتنتهي بتصنيف المخالف إما جاهلًا، أو خائنًا، أو بحاجة ماسّة إلى إعادة ضبط المصنع. وأمام هذا المشهد، لا يدري المتابع ما المطلوب منه: هل يصفّق بحرارة؟ هل يعتذر لأنه فكّر دون الرجوع إليهم؟ أم يبعث شهادات شكر على جهودهم الجبّارة في إنقاذ الثقافة من نفسها؟ هذه الخطابات لا تستدعي إلى الذهن سوى شخصية واحدة: دون كيشوت؛ الرجل الذي قرأ كثيرًا عن الفروسية حتى اقتنع أن الواقع ساحة قتال وميدان فروسية وأن كل ما لا يفهمه مؤامرة تستحق الهجوم الفوري. رأى طواحين الهواء شياطين، فقاتلها بحماسة، فأسقطته بلا رحمة. ثم رأى قطيع أغنام جيشًا جرّارًا، فهاجم وخسر بعض أسنانه، لا أوهامه. الفارق أن دون كيشوت كان صادق الوهم، أما فرسان اليوم فيمارسونه عن سبق إصرار. الأول امتطى حصانًا هزيلًا، والآخرون يمتطون لوحات مفاتيح، يخوضون معارك وهمية ضد خصوم لا يعلمون أصلًا بوجودهم، وينتصرون في خيالهم، ثم يتساءلون بدهشة: لماذا لا يتغير العالم؟ والطريف أن الخلل -في نظرهم- ليس في أفكارهم، بل في عالم يرفض أن يعمل وفق خيالهم. فلو أن الواقع تحلّى بقليل من التعاون، وتوقف عن كونه معقّدًا، لكانوا أبطالًا منذ زمن. نحن لا نعيش في فيلم بطولي، ولا في لعبة إلكترونية نعيد فيها المحاولة بعد كل سقوط. ومع ذلك، يصرّ البعض على فهم عبارة «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» وكأنها رخصة مفتوحة للاندفاع الأعمى، لا دعوة للإصلاح، ولا كبحًا للظلم. ومع أن التوجيه الإلهي كان واضحًا حتى في أقسى المقامات، حين خاطب الله عز وجل موسى وهارون عليهما السلام في مواجهة فرعون: فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى إلا أن البعض يفضّل الصوت الأعلى لا الحجة الأوضح، لأن الصراخ -ببساطة- يحقق انتشارًا أسرع. بدل أن نُصلح، نُشهّر. وبدل أن نحتوي، نُقصي. وبدل أن نقوّم السلوك، نضيف إليه ضجيجًا جديدًا. أما التفكّر في الذات، ومحاسبة النفس، والنظر إلى الداخل، فذلك -عند فرسان لوحة المفاتيح- ترف لا وقت له. فالانشغال بالذات يحتاج شجاعة، أما الانشغال بالآخرين فلا يحتاج أكثر من اتصال إنترنت وبطارية مشحونة. ولو أننا تجرأنا ونظرنا قليلًا إلى داخلنا، لاكتشفنا أن أكبر طواحين الهواء ليست في الساحات العامة، بل في العقول. وربما -وهذا احتمال مزعج- لاكتشفنا أن العدو الذي نحاربه بشراسة هو في الحقيقة وهم صنعناه، ثم صدقناه، ثم طالبنا العالم بالاعتراف به. ليس لأن الحقيقة غائبة، بل لأن الوهم أكثر إغراءً، والصراخ أسهل من التفكير، وارتداء درع البطولة الوهمية أقل كلفة من مواجهة الذات. أما العالم... فيمضي، غير معنيّ بكل ذلك.