بداية 2026 لا تبدو السياسة وكأنها تدخل عامًا جديدًا بقدر ما تهوي إلى شقٍّ عميق بلا قرار في الزمن. ثمة إشارات صغيرة، متفرقة، لكنها متطابقة في نبرتها: قرارات تُتخذ على عجل، تحالفات تُعلن، أساسها سماع أصوات طبول حرب خافتة تدق في غرف مظلمة تحت الأرض، هناك خطاب عالمي هذه المرة وليس إقليميا ينبئ بخراب لكنه لا يريد تسميته. ليست المخاوف في الحدث نفسه، بل في الإيقاع المتسارع وفي مآلاته على منطقتنا. ما يهمنا هو الشرق الأوسط، مهد الديانات المليء بسرديات متصارعة وبؤرة شقاق قديم، فبدلا من تحكيم العقل والمصلحة في تجاوز هذه الخلافات والانخراط في حياة مدنية هادئة تزدحم بالتحديات المعرفية والتكنولوجية. يحدث أن نستجر الماضي لتفجير أحداث سياسية غالبًا ما تسبق الحرب، تلك التي لا تُسقط الحكومات فقط، بل تُعيد تعريف المفاهيم: العدو، الحليف، الوطن، وحتى الإنسان. ما يُخيف في هذا الأفق ليس الحرب وحدها، بل اتخاذ القرارات المصيرية بلغة باردة، وحين تُختزل الشعوب في أرقام، ويُعاد تدوير فكرة "الضرورة التاريخية" لتبرير كل شيء. معظم الحلول العسكرية السابقة التي حدثت، أفرزت مشاكل جديدة بلا نهاية، وهنا تبدأ الكارثة: عندما يُقنع العقل نفسه أن ما يحدث حتمي، وليس تدوير عبثي لأحداث تاريخية سابقة. فماذا ينبغي أن نفعله إزاء هذه الزلازل القادمة؟ أولًا: الوعي، أن نقرأ ما بين السطور، أن نرفض كشعوب من خلال الإعلام الذي صار متاحا للجميع. علينا أن نشكّ في المسلمات الجاهزة مهما بدت منطقية، وألا نرضخ للقرارات الغربية الطائشة التي تدمر مقدراتنا. ثانيًا: عدم الشيطنة. فأسوأ ما تفعله الزلازل السياسية أنها تدفع الناس إلى تبسيط العالم: خير مطلق وشر مطلق وهذا بالطبع ينافي المبادئ السياسية المبنية على المنفعة المتبادلة. ثالثًا: التمسك بالإنسان كقيمة أخيرة. حين تتداعى الأيديولوجيات، تبقى مصالح الإنسان هي الأهم. 2026 لا تنبئ بالضرورة بالخراب، لكنها تهمس بأن الأرض تتحرك، ومن ينجو من الزلازل ليس الأقوى، بل الأكثر توازنًا، والأقل انخداعًا بضجيج الخوف.