أصدر الفيلسوف الألماني هيغل الكتاب الذي جمع فيه نصوص محاضراته في فلسفة التاريخ، قبل ما يقرب من مئتي سنة، أي في زمن كان العالم الشرقي، الأدنى الى أوروبا، يغط في سبات عميق تحت ربقة الاحتلال العثماني، ومع هذا، لم يسر كثر من المفكرين والمفسرين العرب، وحتى يومنا هذا، بما كتبه هيغل عن اساليب الحكم"البطريركية"التي رأى، في ذلك الوقت انها هي السائدة في العالم الشرقي. فتاريخ هذا العالم لا يمكن المساس به، لا سيما من جانب"اجنبي". ومع هذا، حين نقرأ هذا النص سيبدو لنا قابلاً لأن يطبق، ليس فقط على السلطات الحاكمة التي تحدث عنها المفكر الألماني المعروف، بل كذلك على كل مستويات السلطة"الأبوية"في المجتمع بدءاً من اعلى المستويات حتى الخلية العائلية. يقول هيغل، في خاتمة هذا النص المهم من نصوصه اننا يجب ان نفرق دائماً بين الحرية الجوهرية الموضوعية والحرية الذاتية. فالأولى بالنسبة إليه هي"العقل المجرد، غير المتطور والذي يكون متضمناً في الإرادة، ومن ثم ينتقل الى وضع يطور فيه نفسه في الدولة". بيد ان هيغل يستدرك هنا قائلاً ان"العقل في هذه المرحلة يكون ما زال مفتقراً الى البصيرة والإرادة، أعني الى الحرية الذاتية التي لا تتحقق بالفعل إلا في الفرد"على اعتبار انها تمثل تفكير الفرد"في داخل وعيه الخاص". اما حين لا يكون ثمة سوى حرية جوهرية، فإن المرء ينظر الى الأوامر والقوانين"على انها شيء قاطع نهائي ومجرد تخضع له الذات في عبودية مطلقة". وهذه الأوامر والقوانين لا تجد نفسها، ابداً، مجبرة على ان تتوافق مع رغبات الفرد. وبالتالي"فإن المواطنين أي الذوات يكونون اشبه بالأطفال الذين يطيعون آباءهم تلقائياً"، من دون ان يكون ثمة تدخل في الأمر لإرادة خاصة، لوعي خاص، أو لبصيرة خاصة. ولكن"حين تظهر حرية الذات الواعية ويتحول الإنسان من رصد الواقع الخارج عنه بسلبية، الى تأمل روحه الخاصة، يظهر التباين الذي يوحي به التفكير متضمناً صورة سلبية للواقع". والحال ان"الارتداد عن العالم الفعلي يشكل بذاته تضاداً: احد طرفيه هو الوجود المطلق أي الذات الإلهية والطرف الثاني هو الذات البشرية بوصفها فرداً". غير ان هذين الطرفين لا يكونان، بعد، متمايزين في ذلك الوعي المباشر غير الانعكاسي الذي يتسم به الشرق". صحيح، يقول هيغل"ان العالم يكون متمايزاً عن الفرد، غير ان التضاد لا يكون، بعد، خلق انقساماً بين الروح المطلقة والذاتية...". والحقيقة ان هيغل يتحدث عن الشرق في هذا السياق بالذات لأنه يرى ان المرحلة الأولى التي يجب"ان نبدأ منها هي الشرق"حيث"يشكل الوعي غير الانعكاسي او الوجود الروحي الجوهري اساساً لهذه المرحلة"، حيث ترتبط الإرادة الذاتية بعلاقة تتخذ في البداية سمات الاعتقاد المطلق والثقة والطاعة اللامتناهية. وهنا ينطلق هيغل في حديث عن عالم الشرق. كان بدأه في الكتاب نفسه، ولكن في فصل سابق تحدث فيه عن"الامبراطوريات الشرقية". اما هنا فإنه يتناول الأمر من ناحية اخرى حيث يقول اننا"نجد في الحياة السياسية في الشرق حرية عقلية متحققة تعمل على تطوير نفسها من دون ان تصل الى مرتبة الحرية الذاتية"فتلك هي"طفولة التاريخ"، حيث تؤلف الأشكال التأسيسية، للحرية ولغير الحرية، صروحاً رائعاً للامبراطوريات الشرقية التي تجد فيها جميع التنظيمات والأوامر العقلية ولكن بطريقة"يظل فيها الأفراد احداث عقلية عرضية وحسب"ذلك ان هؤلاء يدورون حول محور واحد هو الحاكم الذي يتربع على رأس الدولة بوصفه اباً للجماعة بطريركياً لا بوصفه مستبداً بالمعنى الذي نجد الحديث عنه في الدستور الامبراطوري الروماني."إذ انه هو الذي يتعين عليه ان يفرض بالقوة كل ما هو اخلاقي وجوهري". وهو بالتالي"يدعم تلك الأوامر والنواهي الجوهرية القائمة في المجتمع بالفعل"بحيث ان ما هو في الفكر الغربي منتم الى ما يسميه هيغل"الحرية الذاتية"يصدر هنا عن التكوين العام والكامل للدولة". وهنا يرى هيغل ان عظمة التصور الشرقي إنما تكمن في"المفرد الواحد بوصفه ذلك الوجود الجوهري الذي إليه ينتمي كل شيء، بحيث لا يكون لأي فرد آخر وجود منفصل، أو يرى نفسه منعكساً في مرآة حريته الذاتية". الى هذا الوجود المفرط المسيطر الذي تندمج فيه الحرية الذاتية، اساساً، ينسب كل ما في الطبيعة والخيال من ثراء. فالحرية الذاتية هنا، تبحث عن سموها لا في ذاتها وإنما في ذلك الموضوع المطلق. ومن هنا يقول هيغل، على سبيل الاستنتاج الموقت:"إن في وسعنا ان نجد هنا جميع عناصر الدولة كاملة متكاملة، حتى عنصر الذاتية، لكنها لا تكون منسجمة، بعد، مع الوجود الجوهري العظيم"، ذلك لأن هذا الوجود يكون خارج نطاق السلطة الواحدة ? التي لا يمكن شيئاً ان يدعم لنفسه وجوداً مستقلاً امامها وبالتالي لا يمكنه ان يوجد إلا"كنزوة متمردة تطوف كما تشاء، خارج حدود القوة المركزية، بلا هدف أو جدوى". ومن هنا فإننا نجد القبائل البدائية تتدافع من الأراضي المرتفعة والسهوب، لتنقض على البلاد التي تعثر عليها في طريقها، وتخربها أو تستوطنها، وتتخلى فيها عن حياتها الهمجية. لكنها في الحالتين تضيع بغير جدوى في الجوهري المركزي". وپ"نظراً الى ان هذه المرحلة من البدء الجوهري لا تكون قد استوعبت في جوفها نقيضها وتجاوزته، فإنها تنقسم مباشرة الى عنصرين:"في أحدهما نجد الاستقرار والدوام اعني امبراطوريات تنتمي إن جاز التعبير، الى المكان المحض كشيء يقع خارج الزمان وتتميز عنه فتصبح ذات تاريخ لا تاريخياً أو تأريخاً لمن لا تاريخ له كما الحال مثلاً في الصين، حيث تتأسس الدولة على العلاقة الأسرية أو الحكومة الأبوية التي تحفظ التنظيم الاجتماعي برعايتها الحكيمة المتبصرة، وألوان النصح والتحذير، ثم بالعقوبات الجزائية او التأديبية ? وهي امبراطورية بسيطة ساذجة التكوين، لأنها تكون نقيضاً للصورة النهائية، أو المثالية الفكرية، أي لم تؤكد ذاتها فيها بعد، اما العنصر الثاني الذي نتحدث عنه هنا فهو صورة الزمان التي تبرز في مقابل هذا الجمود المكاني. حيث الدول التي نتحدث عنها هنا، يتغير موقفها في إزاء بعضها البعض باستمرار من دون ان يطرأ عليها من الداخل أي تغير. من دون ان يتبدل مبدأ وجودها، فهي صراع لا ينقطع يجلب لها على الدوام دماراً وخراباً. وفي هذه العلاقات المتصارعة يدخل المبدأ المضاد، أي مبدأ الفردية، لكنه يظل هو نفسه كلية غير واعية، طبيعية محض. إنه الضوء الذي لم يصبح بعد نور النفس الشخصية الذاتية. وهذا التاريخ ايضاً أي تاريخ الصراعات سالفة الذكر هو، في الجانب الأكبر منه، غير تاريخي لأنه ليس سوى تكرار متواصل للخراب المهيب نفسه. اما العنصر الجديد، الذي يطرأ هنا متخذاً شكل الشجاعة والبسالة والشهامة، ويحل محل الأبهة الاستبدادية القديمة السابقة، فإنه بدوره سرعان ما يسلك طريق الدمار والانهيار نفسه. غير ان هذا الانهيار لا يكون انهياراً حقيقياً، إذ لا يحدث أي تقدم خلال كل تلك التغيرات دائمة التقلب". وإذ يرى هيغل ان التاريخ ينقلنا عند هذه اللحظة من الخارج فقط الى آسيا الوسطى، يرى منذ بداية التحليل هنا، اننا بذلك الانتقال نكون قد تحولنا من طفولة الإنسان الى مرحلة الصبا في التاريخ، لكن هذه حكاية اخرى، غير حكاية الطفولة التي ربطها بالشرق... شرقنا. يشكل النص الذي استعرضناه هنا، من خلال ترجمة وإعداد الباحث المصري المعروف د. إمام عبدالفتاح إمام، قسماً صغيراً من الجزء المعنون"العقل في التاريخ"الذي يشكل هو بدوره جزءاً من"محاضرات في فلسفة التاريخ"التي إنما اراد غورغ فردريش هيغل 1770 - 1831 من خلالها ان يبرهن على نسق ? تاريخي اشتغل عليه منذ بداياته الفكرية ويؤكد فيه انه لا يمكن البرهان على وجود فلسفة للتاريخ، إلا من خلال عرض يبين ان العقل هو الذي حكم التاريخ في نهاية الأمر، وأنه هو الذي لا يزال يحكمه"على رغم ظواهر اللاعقل والفتن والحروب والأهواء والمصالح والطغاة"بحسب تعبير د. إمام.