تقبع الحصافة والحماقة على طرفي نقيض، كل ينتظر دوره عبر المساهمة في تشكيل التصرف، وفي معيته الآثار المترتبة على ذلك حسنة كانت أم سيئة، وترتبط الأولى بالفضيلة، بيد أن الأخيرة من السوء بمكان بكل ما يحمله المضمون من معنى، ولا سبيل لكل صفة في الاختيار، فهي تذعن لمن يتصف بها طائعة ولا مجال للرفض كذلك، في حين أن الفعل ورد الفعل ينطوي على تحديد الاتجاه لاختيار السلوك، والذي من خلاله يتضح أي من الصفتين آنفتا الذكر، ثم استدعائها وفقاً للرغبة في تطبيق هذا التصرف أو ذاك. وفي خضم هذه الأحداث المتسارعة يكون للوقت دور مؤثر في هذه المعادلة، من هنا كان ضبط النفس مرآة المؤمن الحصيف يضيف إليه الهدوء وشاحاً ذهبياً في حالة انضباط فريدة ترنو إلى الخير وبلوغه، ولن تثني من عزمه في بلوغ هذا الشأن إفرازات لا تعدو أن تكون استدراجاً ليقع في الخطيئة، وأنّى له ذلك، وهو يتوجس خيفة من خالقه في سرائه وضرائه، في حزنه وسروره، لينال ما تمنى، ويترك التمني لمن بسوء عمله لم يستدرك، فهو أثر الاختيار الصعب لنتيجة أغلى على قلبه من كنوز العالم مجتمعة، وهي الثقة بالله جل في علاه، ويتصور البعض أن الهدوء حال من الضعف، ويفسره وفق هذا المعيار، وهو على العكس من ذلك، فيسوغ له هذا الأمر النيل من وحدة الصف ويراهن على هذه المسألة بانتظار رد فعل متهور، غير أن خيبة الأمل لا تبرح أن تتلقف هذه المشروعات، لأن بنية المواطن الخليجي وتركيبته النفسية المنسجمة مع التوجهات تقطع الطريق على من يساوم على وحدته والاصطياد في الماء العكر، هذا التوافق النسبي المؤطر لحال القوة المعنوية لم يكن وليد اليوم، بل إرثاً تعلمناه من الآباء كما تعلموه من آبائهم، لتشكل الخبرة المتراكمة سداً منيعاً يصعب اختراقه، وما يشكله الأمن والمحافظة على المكتسبات من أهمية قصوى في إطار التطوير وتعزيز سبل العلم والمعرفة، والدليل على ذلك هو حال الاستقرار التي صنعها المواطن نفسه بعزيمته وإرادته وثقته بقادته، الذين يقيسون الأمور بمنظور التعقل مقروناً بالتريث والتوءدة، متسلحين بتوفيق المولى -عز وجل- في حمل الأمانة والمحافظة على الأنفس والممتلكات وحمايتهما بكل ما أوتوا من قوة، الإخلاص ديدنهم في بلوغ الهدف من خلال استدعاء الجوانب الإيجابية وفي مقدمتها رأس الحكمة، ورأس الحكمة مخافة الله، انطلاقاً في الاتجاه يبرز دور الهدوء الفاعل في صياغة الأطر المنظمة والمتسقة مع الأساليب المهذبة، فكلما طغى التهذيب على الأسلوب زاد من قوته وصلابته بل وساهم في قبوله، لا سيما وأن البعض جزء من الكل. إن أبناء الخليج تجاوزوا بإخلاصهم كل المعوقات التي ترنو إلى إنهاك برامجهم التنموية، فاتجهوا تحدُوهم الطموحات إلى البناء والإعمار، وساهموا في بناء أرضية مشتركة تحدُوها آفاق الإصلاح بالحكمة، وتتلمس كل ما يدرأ الشرور عن الأمة برؤية واقعية فاحصة، فكما يراد بنا يراد لنا، ويبقى ما نريد ونصبوا إليه ألا وهو تحصين القيم والمبادئ والاعتصام بحبل من الله متين، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ)، وما دام هناك من يبني فإن البناء متى ما كان صلباً متماسكاً سيستعصي على الهدم، وهو كذلك بإذن العزيز الجبار.