عندما يستمد الهدوء طاقته المؤثرة والجميلة من محطة الحكمة والأخلاق، فإن ذلك يمكن الفكر من مد جسور العلم والمعرفة لتتلاقى مع ضوء الحقيقة الساطع ونبل السريرة اللائق، في حين أن الآفاق تتسع كلما استطاع العقل تمرير هذا الزخم الجميل، الإخلاص في بلوغ الهدف يفرضه نقاء الهدف وصفاؤه سواء كان من ناحية الشكل أو المضمون، وبالتالي فإن الحوارات المتزنة المكتسية بجانب كبير من الهدوء تظللها قيمة أدبية وقوة معنوية لا يستهان بها، ولا تلبث أن تسهم في تمرير القناعات بانسيابية ومرونة كونها تتكئ على التأمل هذا الرافد الخلاق ما يمنح العقل بطبيعة الحال دوراً مؤثراً من خلال التأني وتمرين الروح على القبول أولاً ومن ثم المداولة وفق استيعاب لوجهات النظر بأريحية وسعة أفق تنشد انتقاء الجوانب الإيجابية وفي الإطار الموضوعي الذي لا يقبل الانحياز والمساومة سيما إذا كان الهدف تحري الدقة بهذا الصدد، ويفضي هذا التنظيم اللائق في نهاية الأمر إلى التدرج والتفاعل التلقائي إلى حيث الصواب الذي ينشده الجميع، فأنا أختلف معك لا عليك وإن اختلفت مع رأيك فإن هذا لا يعني الشك في صدقك وحسن نواياك، من هنا يبرز دور الهدوء الفاعل في صياغة الأطر المنظمة والمتسقة مع الأساليب المهذبة، فكلما طغى التهذيب على الأسلوب زاد من قوته وصلابته، ولما كان حسن النية معياراً للتواصل فإن الأمور تسير من حسن إلى أحسن، حينما يؤثر الحلول السحرية وفي مقدمها الهدوء ولا ريب بمعزل عن التشنج أو التعصب الذي ما برح مقصياً الحلول وحاجباً لها عن الظهور، وهي في المخيلة رهن الاعتقال الاختياري، هناك مساحة مقدرة من الوقت للاختيار، إنها فترة التأمل وإن كانت وجيزة إلا أنها كفيلة بضبط القرار وإخضاعه لصوت الحكمة، وغالباً ما يصاحب النتائج السيئة شعور برغبة جامحة في العودة ليتسنى التصحيح، بعدما يقصي التسرع خيراً له فيما لو كان التريث حاضراً، الرفض أو القبول يخضعان بطبيعة الحال للاستنتاجات التي يتمخض عنها الحوار وفي نطاق الالتزام بتحري الحق والسعي إلى بلوغه والعمل بموجبه سواء بالقول أو العمل، وحينما يرغب الإنسان في شراء سلعة معينة فإنه يتفاوض مع البائع لتخفيض قيمة السلعة أو بالأخرى يكاسر فيصلان إلى نقطة التقاء وهي السعر النهائي وتتم العملية بكل انسيابية، إذن ما حدث بين البائع والمشتري اختلاف في السعر وفي ضوء هذا الاختلاف كان الحوار الذي أدى في نهاية الأمر إلى الاتفاق بين الأطراف وتحقيق المصلحة المتبادلة، كل ذلك يتم بمرونة نظراً لأن البائع ليس مجبراً على البيع والمشتري كذلك، وهكذا في الأمور الأخرى فالقناعات لا تُفرض بل تلامس مستوى الرضا والقبول وتحقيق الحد الأعلى من التفاعل المنهجي المنسجم مع الفطرة بإدراك العقل وسلامة المنطق، ومهما بلغ تسويق القناعات وفرضها مبلغاً فإنها لن تلبث أن تتبخر مقابل أي هزة تفرغها من مضمونها، ذلك أنها لم ترسخ في العمق مما يؤدي بطبيعة الحال إلى بقاء الشكل وغياب المحتوى، فالإملاءات المشوبة بالمخالفات أياً كان نوعها وحجمها فإنها ستطفو على السطح وسيظهر جلياً مدى استحقاق الاعتدال والرؤية المتزنة لبسط نفوذهما واتخاذ القرار الصحيح وفي إطار الالتزام بقيم ديننا الحنيف والتي تحث على العدل والقسط والبر والتسامح والمجادلة بالتي هي أحسن وتحرم الاعتداء بكل أشكاله، من هنا كانت المعايير المنطقية مقياساً لقبول الآراء وبسطها وتشريحها وتحليلها، إلى ذلك فإن احترام لغة الحوار عطفاً على مبدأ تقبل الرأي الآخر يؤسس لبناء علاقات نموذجية للتعايش اللائق من خلال الاحترام المتبادل المؤطر لتقدير قيمة الإنسان واحترام إرادته المستقلة بغض النظر عن اختلاف الآراء وتباين وجهات النظر والتي لن تفسد الود بطبيعة الحال وبالله التوفيق.