بمجرد أن يولد طفل ويلحق بالمدرسة حتى يبدأ برنامج حشو عقله بأمجاد أمته مع المبالغة والتركيز والبعد عن ايضاح الأخطاء التاريخية في حق الأمم الأخرى. ومن الطبيعي في الوقت نفسه وكجزء من برنامج حشو عقل الطفل أن يتم بخس الحق التاريخي للأمم الأخرى بلا استثناء وبخس ما ساهمت به في سجل نمو وتطور الحضارة الإنسانية. وما يحدث في تدريس مادة التاريخ يحدث أيضاً في تدريس الأديان. فمن الطبيعي لمثل هذا الطفل عندما يشب رجلاً يافعاً أن يكون وجدانه امتلأ بنعرة قومية أو عنصرية أو دينية متطرفة لا مبرر لها نحو أمم معينة. ومن المنطقي أن يصبح الويل للعالم الذي نعيش فيه ما اذا قدر لهذا الطفل أن يمسك هو وأمثاله بزمام القرار السياسي في أمته، فحتماً سيدفع بوطنه الى حروب وتوترات مع الأوطان الأخرى لا تجني البشرية منها سوى مزيد من الدمار ومن تراث للكراهية سيدرس بدوره في مادة التاريخ لهذه الشعوب المتصارعة ليبعث مزيداً من النزاعات العدوانية... وهلم جرا. فإذا طرحنا على أنفسنا سؤالاً هو: ماذا يحدث اذا درس التاريخ لهذا الطفل على أساس أن الإنسانية أسرة واحدة وأنه انسان ينتمي بروحه وعقله الى الإنسانية ككل ولا ينتمي فقط الى وطنه بوصفه المانياً أو بريطانياً أو اميركياً. وماذا سيكلف الأمر اذا عرف الطفل أن العالم وحدة ذات تراث واحد مستمر وكل ما في الأمر أن الأمم المختلفة تناوبت الأدوار على طريق الارتقاء بالإنسانية ككل. وهنا سيعرف أنه كان له أجداد في بابل وأشور وأجداد في مصر بنوا الأهرامات وأجداد في الصين منهم كونفوشيوس وأجداد في اليونان منهم أرسطو وأفلاطون وأجداد من العرب طوروا الفكر اليوناني ليصل الى أوروبا ويكون مشعلاً لعصر النهضة الأوروبية. وماذا سيكلف الأمر إذا عرف الطفل أن وجدانه الديني له جذور تبدأ من أنبياء عظام أصحاب رسالات سماوية كموسى عليه السلام والسيد المسيح عليه السلام ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأن هؤلاء الأنبياء العظام لو قدر لهم أن يعاصروا الحروب الطائفية في لبنان وبين العراق وايران وفي البونسة والهرسك لفرت الدموع من أعينهم على ما صارت اليه أحوال رسالتهم السماوية من بنية عدوانية، اننا اذا اتبعنا هذا الاسلوب في تربية النشء سنفرز أجيالاً خالية من هتلر وصدام حسين وسيفرز العالم قيادات سياسية ليس لديها أدنى قدر من النعرة القومية التي لا أساس لها من الصحة والموضوعية. مثل هذا النوع من القيادات السياسية بانتمائها الإنساني الى البشر ككل سيتعامل مع المشاكل الاقليمية والعالمية من مجاعات وحروب عرقية بروح إنسانية شاملة، بدلاً مما نشهد اليوم من قيادات للدول المفترض انها عظمى تكتفي بالوقوف من هذه الصراعات موقف المتفرج المتردد الذي يحسب الأمور والقرارات بالحسابات والمصالح المادية القصيرة المدى، علماً بأن هذه الشعوب التي تعاني من حروب وأزمات في الوقت الحاضر كانت حاملة لمشعل الفكر والحضارة وتعلمت منها الحضارة الأوروبية المعاصرة، وأقرب مثال على ذلك ما يعانيه المسلمون في البوسنة والهرسك من مذابح وتصفية عرقية. أرجو ألا يظن القارئ أنني مغال في المثالية، ولكن أليس هذا المنطق التاريخي الذي فرض على أحفاد هتلر الألمان ان يدفعوا التعويضات لليهود عن مذابح النازي منذ 50 عاماً، هو المنطق التاريخي نفسه الذي يفرض على الغرب أن يعوض مسلمي البوسنة والهرسك عما لحق بهم من قبل الصرب. التاريخ البشري مادة دراسية خطرة اذا تركت لتعصب كل دولة لأمجادها فقط على نحو عنصري فيشكل هذا خطورة على السلام العالمي، وبهذا نكون بنينا إنساناً ذا انتماء إنساني نحو عالم أكثر إنسانية لا يقوم على قاعدة عش ودع الآخرين يموتون بل يقوم على مبدأ "عش ودع الآخرين يعيشون". * كاتب مصري.