في الغرب الجميع يتحدث عن الحرية والعدل والمساواة، فأينما ولَّيت وجهك في الغرب ستجد نخبة من المنظِّرين والمدافعين عن تلك القيم الإنسانية العالية يتربَّصون بكل من تشي ملامحه بانتمائه إلى العالم الثالث كي يمارسوا هواية التنظير والاستعلاء على حضارات الشعوب وقيمها الدينية والأخلاقية، وليزعموا بأنهم يجسِّدون الرقي الإنساني في أسمى صوره وتجلياته، فكل ما عليك فعله هو الإنصات إلى الدروس المجانية التي يقدمونها إليك دون أن تتفوه بكلمة واحدة حتى لو وجدت تناقضاً صارخاً بين ما تسمعه وما تراه في كل تفاصيل الحياة اليومية، فهم لا يؤمنون بأهليتك لإبداء الرأي، فضلاً عن آدميتك التي يرونها منقوصة ما لم تتشرب مبادئهم ومعتقداتهم، وهذا ما جعلهم يستخفون بدماء الأبرياء في سوريا وفلسطين والعراق وليبيا… وغيرها، لأن القيم والمُثل التي يدعون إليها ليست لهؤلاء!. وهنا أود أن أقتبس مما ورد في كتاب المفكر الألماني المسلم مراد هوفمان في كتابه «الإسلام كبديل» لأقدِّم برهاناً على ما ذهبت إليه، فالمفكر الألماني المسلم قضى معظم حياته سفيراً لبلده متنقلاً من بلد إلى بلد يتأمل طبائع الشعوب وأخلاقها حتى هداه الله إلى نور الإسلام؛ حيث يقول معلقاً على ما تعرض له المسلمون في البوسنة والهرسك من مجازر ومذابح على مرأى الجميع: «فبدلاً من أن يشق الناتو طريقه بالقوة لفك حصار سراييفو المستمر ثلاث سنوات، قرر الناتو بكل (إنسانية) أن يمد سراييفو بجسر جوي من الأطعمة، وهو الجسر الذي يفتحه الصرب وقتما يشاءون ويُصادرون منه ما يريدون»، ويؤكد هوفمان أن ما حدث في البوسنة، لم يحدث منذ عصر ستالين وهتلر، لقد كانت حرباً دينية حقيقية، ومع هذا لم يتدخل العالم -المتحضر- عسكرياً، ولكنه انشغل في المساعدات الإنسانية!، وعمل بجد واجتهاد حتى يضمن للمسلمين أن يُعذبوا أو يُغتصبوا أو يموتوا وهم «شبعانون». لست من أولئك الذين لا يرون من الحضارة الغربية سوى أوجه القبح والانحلال، كما أن انبهاري بها لا يصل إلى الحد الذي يعمي بصري عن تغوُّل نظامها الرأسمالي الذي جرَّد إنسان تلك المجتمعات من آدميته وحوَّله إلى بيدق تلهو به كبرى الشركات الغربية في أوقات الأزمات دون أدنى شعور بإنسانيته! وأؤمن بأن لكل حضارة مثالبها ومزاياها، وأن التفوق الحقيقي إنما هو ذلك الذي يستمد قوته من القيم الإنسانية المشتركة والبعيدة كل البعد عن الإشكاليات العرقية والدينية والجغرافية، فسمو العلاقات الإنسانية لن يتحقق ما لم يخالطها الإيمان الصادق بحق الآخر في التمسك بقناعاته ومعتقداته من أجل إيجاد نقطة التقاء حقيقية لا كاذبة. في الغرب يتحدث النشطاء الحقوقيون والسياسيون عن انتهاكات إنسانية صارخة تتم في المملكة العربية السعودية، وفحوى تلك المزاعم والادعاءات أن تطبيق العقوبات التأديبية والتعزيرية التي نصت عليها الشريعة الإسلامية في حق كل من يرتكب جرماً ومخالفةً هي نوع من أنواع العودة إلى حياة القرون الوسطى! هذا التدخل السافر في شؤون المملكة الداخلية ليس جديداً، فالمملكة من أكثر الدول الإسلامية تعرضاً لحملات التشويه المتعمدة بسبب أنها قلب العالم الإسلامي الذي تهوي إليه أفئدة المسلمين من كل حدب وصوب، ولن يكون هجوم وزيرة الخارجية السويدية آخر تلك الحملات المغرضة، فالغرب لن يتوقف عن توجيه سهامه الحاقدة حتى نتبع ملته وعقيدته الغارقة في الماديات والمبادئ الشكلية. ليت أن الوزيرة تعاطفت مع اللاجئين المسلمين في بلادها وأدانت – كما يفعل نظراؤها الغربيون – عنصرية اليمين السويدي المتطرف مع المهاجرين عامة والمسلمين على وجه الخصوص في بلدها، وليتها تحلَّت بشيء من الدبلوماسية وهي تظهر عداوتها وحقدها تجاه الإسلام وأهله بكل صلف وبجاحة، وتدعي بأنها مناصرة لقيم العدل والمساواة في كل مكان، وتناست أو تجاهلت أن ثمة بشراً يعيشون بين ظهرانيهم وهم مكبلون بغلال التفرقة العنصرية والاضطهاد الديني تحت شعارات الديمقراطية الكاذبة. إن تصريحات الوزيرة تجاه المملكة تدل على أنها لا تدرك أبعاد الدور الحقيقي للعمل الدبلوماسي ولا الهدف الرئيس من إيفاد البعثات الدبلوماسية بين الدول، ناهيك عن كونها تصريحات غير مسؤولة، ويبدو أنها لا تعلم أن من أهم الأدوار التي تُسند إلى نظرائها في كافة أنحاء العالم هو تقريب وجهات النظر بين حكوماتهم وحكومات الدول الأخرى، لا البحث عما يقوِّض أركان العلاقات الدولية بين الشعوب والدول.