المتابع للكتابات الراصدة للمد الإسلامي في الغرب وتضاعف هجرة المسلمين إليها يدرك تخوف الغرب من ذلك، فمن قائل بطرد المسلمين بالكلية، ومن قائل بصهر ذلك المد وتطويعه ثقافيا وحضاريا تجنبا للصدام مع الاستفادة منهم. ولذلك يعتمد الساسة الغربيون في معالجة ما يتعلق بالمسلمين مقاييس تخالف ما ينظره مفكروهم عن العدل والمساواة والحريات والقيم الإنسانية، ويتحايلون للتخلص من معرة مخالفتهم لما يرفعونه من شعارات العدل والمساواة والحريات ومحاربة العنصرية، لكن الحق يقال إنهم مع ذلك الخلل والتحايل وتلك الازدواجية أكثر قربا في واقعهم لما يدعون إليه من قيم العدل والحق والحرية والانسانية من المسلمين في واقعهم مع ما يدعو الإسلام إليه من قيم العدل والحق والحرية والإنسانية، ليس فقط في علاقة المسلمين مع الغرب بل حتى فيما بينهم كعرب وكمسلمين، بل تعدى الأمر ذلك بتشويه بعض المسلمين حقائق الدين ومعانيه باسم الدين وهذا الأسوأ. إن المنصف من الغربيين يقر بأن حضارة الإسلام هي الأعلى بمكوناتها الدينية والثقافية والإنسانية، ويعلمون أنها باقية وستظل رغم الخلل الكبير جملة في واقع المسلمين وشدة الضعف والتبعية التي يعيشها العالم الإسلامي اليوم كنظام حياة جعلته في ذيل القائمة في كل شيء، حتى امتثالهم لدينهم مشوب بالكثير من الباطل والهوى والفساد. لقد أصبح المسلمون في الجانب المادي يستوردون كل شيء من الشمال والغرب والشرق، وأضحوا عالة على المجتمعات الأخرى، وأصبح لا يعرف عنهم إلا أنهم مصدر الإرهاب والبطالة، فتحقق ما أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم من أن هذه الأمة سوف تتبع اليهود والنصارى حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، فهم مع كثرتهم غثاء كغثاء السيل، وهذه هي حال كل مغلوب كما أشار ابن خلدون لذلك في مقدمته. إن هذا يدلنا بجلاء أن القوة الحقيقية في الاسلام هي قوة ذاتية، قوة الإقناع والحجة التي يلاقي فيها الفطرة البشرية والعقل والوجدان، تلك القوة الذاتية التي تضطر الآخرين للانقياد للإسلام انقيادا صادقا وسريعا وقويا حالة امتثال المسلمين دينهم الحق وعملوا به في واقعهم، عندها يكون أبلغ وأصدق من كل قول ثم يتبعه الحوار القائم على المنطق والحكمة والمجادلة بالحسنى مع التجرد عن الأهواء والعصبية والعناد. إن نظرة سريعة لمكامن قوة الحضارة الإسلامية سنعرف بها أن المكون الديني لتلك الحضارة استطاع أن يعلو على الحضارات الأخرى حتى اليوم، رغم كل الانتكاسات المادية المنتهية بنا في ذيل الأمم، حتى تكالبت علينا تكالب الأكلة على قصعتها، ويتضح أن قوة الاسلام ما زالت تؤثر في كل من لامسها باحثا عن الحق، فالداخلون فيه في ازدياد خاصة في الغرب، وهذا ما يدعو للدهشة، فالمنطق أن التخلف المادي والمعنوي في أكثر واقع المسلمين يوجب ضرورة اضمحلال بريق الإسلام ورفضه لا العكس. لكن ذلك المد الإسلامي في الغرب يثبت أن التعايش السلمي مع ما في الأمة من بقية خير هناك هو كلمة السر التي حركت ذلك المد الإسلامي في الدول الغربية، فلا بد أن يدرك المسلمون أن المواجهة العسكرية ليست في صالحهم، لتأخر المسلمين في القوة العسكرية، ولا يمكن أن تجسر تلك الهوة العسكرية في أمد قريب، أما الهوة الثقافية يمكن أن تجسر بالتعايش الذي يحفظ هويتنا ويمنحنا جسورًا في الوقت ذاته من التواصل مع الآخر، وذلك في النهاية سيصب في مصلحة الحضارة الإسلامية والمنظومة القيمية التي تمتلكها، والمنظومة العقدية النقية الفطرية التي تجنح إليها النفوس السوية خاصة أن الحضارة الغربية تركت ذلك بالكلية منذ عصر النهضة، وحاصرت الدين داخل الكنائس، واحتفظت بعناوينه الرمزية كصلبان في الإعلام، وحكايات وقصص وأعياد وأكلات لم تغير من الخواء الروحي شيئا يذكر وهنا تكمن القوة الناعمة للحضارة الإسلامية. * الباحث والمستشار بمركز علوم القرآن والسنة