ما خرجت الحضارة الغربية من مأزق اخلاقي إلا ووقعت في آخر أشد وأنكى. حتى أنه ليصح القول بأن التاريخ القريب للحضارة الغربية لم يكن في مجمله سوى حلقات متصلات من المآزق الاخلاقية. والسبر العميق لمرتكزات الحضارة الاستهلاكية الراهنة، يكشف عن التداعيات والمضاعفات التي تلاحقت حلقاتها وقادت في نهاية الأمر إلى المأزق الاخلاقي الراهن، المتمثل في انعدام الوجهة، وفقدان الهدف، والتهرب من تحمل المسؤولية الاخلاقية التي توجب الوقوف في وجه الظلم، وبذل الغالي والنفيس في نصرة الحق والمظلومين. أدى تآكل المكون الروحي للحضارة الراهنة، وما نجم من جراء ذلك من نظرة مادية أحادية، إلى طمس تدريجي لكل القيم الجوهرية التي أسست لها كل الأديان والتراث الإنساني، عبر حقب التاريخ، وقام، من ثم، عليها البناء الحضاري الإنساني في مجموعه. تتلخص تلك القيم، في فضائل التضحية، ونكران الذات، وما ينبني عليها من غيرة على الحق، وقتال لنصرة المظلومين. كرست الحضارة الغربية الاستهلاكية الراهنة، للجشع، والفردية، والانانية، وعبادة الذات. فازداد التشكيك في معني التضحية وجدواها. وتداعى الأمر في محصلته النهائية إلى قلة اكتراث بالحياة البشرية، وإلى قبول للظلم وملحقاته، وإلى تصالح كبير مع مشاهده الفظيعة. مأساة كوسوفو الأخيرة تمثل في نظري أكثر الشواهد جدة على المأزق الاخلاقي للحضارة الراهنة. ففي الوقت الذي تريد فيه المؤسسة المالية الغربية أن تنشئ سوقاً كوكبياً واحداً، يفاقم فقر الأكثرية الفقيرة، ويزيد غنى الأقلية الغنية، تجد نفسها متخلية يوماً بعد يوم عن عزيمة القتال، وعن الاستعداد للتضحية. استوى في ذلك الشارع السياسي الغربي، والحكومات الغربية. ورغم انحلال عزيمة القتال، وتناقص الاستعداد النفسي لدفع ثمن الاستقرار لدى الغربيين عموماً، والأميركيين بصورة خاصة، انتدبت المؤسسة الاقتصادية الغربية نفسها ممثلة في آلتها العسكرية للقيام بدور شرطي العالم. تريد بها أن تكون الحارس الوحيد لنظام خلقته وفرضته على الكل، ولكن من غير أي استعداد لتحمل تكلفة وتبعات ذلك، خصوصاً ان كانت تلك التكلفة ستدفع من دماء جندها المنتشرين في كل أركان الدنيا. يريد الناتو ان يظهر بدور الكابح للبربرية والهمجية المتمثلتين الآن في مسلك مليوشيفيتش، ولكن من غير أن يضع جندياً غربياً واحداً على أرض القتال! وكما هو واضح، فإن الناتو لم يكن مكترثاً، ولم يكن مستعداً لمواجهة المضاعفات التي ستنجم عن ضرباته الجوية للصرب. والتي تسببت في الواقع في اجلاء شعب كوسوفو برمته، عن أرضه، وعن جذوره وعن تاريخه. أمر آخر تضمنه هذا المسلك المتناقض المفتقر إلى الأساس المعرفي الوجودي والإنساني، وهو تثمين المؤسسة الغربية للإنسان الغربي، وارخاص قدر ما عداه، خصوصاً المسلمين. الشاهد فيما يجري الآن، يقول، وبأعلى صوت، ان الغرب يفضل أن يرى مئات الألوف من النساء والشيوخ والأطفال وغيرهم من المدنيين العزل يموتون بالبرد وبالجوع وبالمرض في العراء، على أن يرى جندياً غربياً واحداً ميتاً، فداء لهؤلاء العزل المساكين. قتل الغرب من جند العراق، وسكان العراق أعداداً خرافية. ولا يزال يتمحك بمتهافت الحجج لمواصلة مسلسل محق الإنسان العراقي. يفعل ذلك، كل يوم، متحدثوه وخدام مؤسسته القابضة، وهم يرفلون في بزاتهم الأنيقة، من دون أن يرمش لهم جفن. وها هو ذات المشهد يتكرر في عراء وجبال كوسوفو الأكثر وعورة. فقدان الأساس الاخلاقي السليم هو الذي جوَّز للعقل الغربي الحاكم، تفضيل موت النساء والشيوخ والأطفال العزل في العراء، على تعريض جنوده المدججين بدروعهم الواقية وبأحدث الأسلحة وأكثرها فتكاً لمخاطر مواجهة العنصرية الصربية، وسياساتها الممنهجة في التطهير العرقي. فإذا كان الوضع المأسوي الذي نراه اليوم في كوسوفو لا يقتضي استخدام القوات البرية، فمتى سيجيء الوضع الذي يحتم استخدامها، وكيف يكون شكل ذلك الوضع يا ترى؟ ثم ما معنى الصرف الخرافي على القوات البرية الرهيبة التي يمتلكها حلف الأطلسي، إن كان أصلاً لا ينوي استخدامها، مهما كان عمق المأساة الإنسانية. إذن، لماذا لا يُسرح الناتو قواته البرية كلها أو نصفها، ويبقي على أسلحة طيرانه، وكتائب صواريخه الجوالة وحدها مثلاً؟ وشاهد آخر على المأزق الاخلاقي للحضارة الراهنة، يتمثل في التباطؤ القاتل في نجدة اللاجئين واغاثتهم وايوائهم. فقد أجمعت وسائل الاعلام الغربية أن أوروبا لم تشهد منذ نهاية الحرب العالمية الثانية كارثة لاجئين بهذا الحجم. لقد ظلت أوروبا طيلة فترة الحرب الباردة. وما تلا حقبة الحرب الباردة في العقدين الأخيرين بمنأى عن كوارث اللاجئين. حتى ظنت أوروبا، وامتداداتها في العالم الجديد، ان مشاكل اللاجئين شأن آفروآسيوي محض. نعمت أوروبا باستقرار وأمن استمرا لأكثر من خمسين سنة. خلال هذه الخمسين سنة كانت الحروب والحرائق مشتعلة في كل أرجاء العالم. كانت الحرب الكورية في أقاصي شرق اسيا، وحرب فيتنام في جنوب شرقي آسيا، وفي منطقة الهلال الخصيب نشبت أربع حروب كبيرة. هذا إضافة إلى الحرب اللبنانية. وشهدت الثمانينات وبداية التسعينات حربي الخليج الأولى والثانية. وظلت أميركا اللاتينية بؤرة دائمة للتوتر ولحمامات الدم. أما افريقيا، فقد أخذت حروبها في التسعينات منعطفاً جديداً، حيث توسعت رقعتها، واشتدت ضراوتها. نصف قرن من الحروب المتصلة في كل بقاع العالم لم يصل إلى العالم المتقدم منها سوى ثمن توفير الأسلحة، وما يتبع ذلك من زيادة الرخاء والدعة، وحفنة لاجئين ديكورية لاغراض لا تعدو أن تكون إعلامية بحتة. أما الآن، فقد طرقت مشكلة اللاجئين أبواب أوروبا نفسها. غير ان التصدي لها، مع الأسف، لم يكن بأحسن مما جرى في رواندا وغيرها من أرياف العالم الملتهبة. فشلت أوروبا في مواجهة مأساة مشردي كوسوفو، رغم الغنى، والتقنيات المتقدمة، وقرب المسافات، ورغم متانة البنية التحتية. فلو كان الأساس الاخلاقي للحضارة الأوروبية أساساً إنسانياً متيناً، لما كلف ايواء بضع مئات من الآلاف من اللاجئين أوروبا الغنية المقتدرة، مالاً أو جهداً أو زمناً يذكر. والسؤال الجوهري الذي يطرح نفسه الآن هو: هل فوجئ الناتو بما جرته ضرباته الجوية للآلة العسكرية الصربية من ويلات على سكان كوسوفو؟ أم أن هذه التداعيات قد كانت محسوبة أصلاً، وربما محبذة ومبتغاة في ذاتها؟! في مواجهة قوية قامت بها صحافية من محطة "سي بي اس نيوز" لوزيرة الخارجية الأميركية مادلين أولبرايت، وبثتها محطة "فوكس"، تساءلت تلك الصحافية بدهشة عن بؤس الاستعدادات الأطلسية لايواء المجليين عن كوسوفو، وهل كان ذلك نتيجة لسوء تقدير ونقص في المعلومات؟ ولم يكن في إجابات الوزيرة ما يشفي غليلاً. ولا يمكن، بطبيعة الحال، لمؤسسة ضخمة مثل الناتو تملك جيشاً من أصحاب الخبرة في كل شأن من الشؤون، أن تخطئ في تقدير نتائج عمل كهذا. ولكن ربما كان وراء الأكمة ما وراءها. الوضع في كوسوفو لا يُقرأ، في تقديري، بمعزل عما جرى في البوسنة في السنوات القليلة الماضية. تفرجت الدول الأوروبية على عمليات التطهير العرقي التي قام بها الصرب ضد مسلمي البوسنة لسنوات. وتعللت الدول الأوروبية عموماً، وأميركا على وجه الخصوص، بشتى العلل لكيلا تتدخل في شأن البوسنة. فعلت ذلك، رغم المأساة الإنسانية التي كانت ماثلة وقتها للعيان. أكثر من ذلك، منعت الدول الغربية السلاح عن مسلمي البوسنة، فلا هي دافعت عنهم، ولا هي تركتهم يدافعون عن أنفسهم. الشاهد ان هناك تباطؤاً وقلة اكتراث كلما تعلق الأمر بأرواح المسلمين، فربما لا تزال هناك بقايا روح صليبية، تسكن مؤخرة العقل الغربي؟ وربما لا يزال الوجود الإسلامي في أوروبا محل تساؤل لدى الأوروبيين حتى الآن، بالقدر الذي يجعل قلة الاكتراث بما يصيبهم أمراً مبرراً؟ الشاهد هو ان الصورة تتكرر مرة أخرى في كوسوفو، وبسيناريو أكثر بشاعة. تعالت الأصوات في أميركا من أن الناتو في طريقه ليخسر الحرب ضد مليوشيفيتش، غير أن الهم الأكبر كان متعلقاً أساساً بكرامة الناتو وبمصداقيته اللتين وضعتا في المحك، وليس بمأساة المجليين عن ديارهم. كثيرون يؤيدون استمرار الغارات الجوية التي يرجى لها أن تجر ميلوشيفيتش إلى مائدة المفاوضات. ولكن قلة قليلة تلك التي تؤيد التدخل البري، ومن ثم التورط في مستنقع البلقان الذي لا يمكن الخروج منه من غير التضحية بكثير من أرواح الجنود الأميركيين. وقد استطلعت وسائل الاعلام الأميركية وجهات نظر الكثيرين من قادة الرأي العام والسياسيين ورجال الإدارة الأميركية. وأكثر ما غلب على مداخلاتهم هو روح التردد والتشاؤم من الانجرار في حرب برية في البلقان. ويبدو ان مشهد الجندي الأميركي الذي جرته الميليشيات الصومالية في شوارع مقديشو، وبثته شبكات التلفزيون الأميركية، أثناء التدخل الأميركي في الصومال، لا يزال يعشش في المخيلة الأميركية. والتغطية الاعلامية الحالية وجدها أسر القوات الصربية لثلاثة جنود أميركيين، مثال آخر على الرغبة غير الواقعية، وغير العملية لدى الأميركيين في خوض حروب لا تكلفهم نفساً واحدة! من كل ما تقدم، يتضح ان مسلك الناتو الأخير في كوسوفو يطرح أسئلة كثيرة جديرة بالتناول العميق. تقدمت الآلة العسكرية الغربية في العقود الأخيرة تقدماً رهيباً، وارتفعت تبعاً لذلك فرص سلامة الجنود الذين يستخدمونها. وبدل ان يرفع ذلك من عزيمة القتال، قاد إلى العكس تماماً. وبالطبع، من الناحية الأخرى قاد نقص استعداد الشعوب الغربية للتضحية بأبنائها، إلى كبح جماح المؤسسة العسكرية الغربية، وإبعادها عن التورط في مغامرة عسكرية غير مبررة كالتي جرت في فيتنام. غير أن ذلك الكبح امتد ليشل يد المؤسسة العسكرية الغربية في ظروف تاريخية حرجة، خصوصاً عندما يقتضي الأمر مواجهة حاسمة مع آلة جهنمية مثل آلة التطهير العرقي الصربية التي يديرها سلوبودان ميلوشيفيتش في قلب أوروبا؟ فأين المكسب، وأين الخسارة يا ترى؟ عندما تنتصر آلة الحلف الجهنمية بضرباتها الجوية في تحطيم آلة الحرب اليوغوسلافية بعد بعض الوقت، وينتصر ميلوشيفيتش وقتها أيضاً باخراج آخر ألباني من كوسوفو. * كاتب وجامعي سوداني مقيم في الولاياتالمتحدة.