أصدرت مجلة الفيصل عددها المزدوج 587–588 في إصدارٍ موسّع حمل عنوان «عام الحِرف اليدوية في مديح الأيدي الخَلّاقة»، قدّمت من خلاله قراءة ثقافية شاملة للحِرف اليدوية، بوصفها ممارسة إنسانية أصيلة أسهمت في تشكيل الهوية والذائقة، ورافدًا معرفيًا ارتبط بالبيئة والاقتصاد والذاكرة الاجتماعية. وتصدّر العدد ملفٌ رئيس تناول الحِرف اليدوية من زوايا تاريخية وجمالية ومعرفية، مؤكدًا أنها ليست مجرد مهارات إنتاجية، بل خبرة متراكمة انتقلت عبر الأجيال، وحملت في تفاصيلها فهمًا عميقًا للمواد والاحتياج والسياق المكاني. وناقشت مواد الملف التحولات التي يشهدها هذا القطاع، وانتقاله من نطاقه التقليدي إلى موقع فاعل في المشهد الثقافي والاقتصاد الإبداعي، خاصة في ظل إعلان عام الحِرف اليدوية 2025، وما صاحبه من اهتمام مؤسسي بإعادة الاعتبار للحرفي ودوره الثقافي. وتوقفت مقالات الملف عند العلاقة بين الحِرفة والجمال، حيث يتقاطع الوظيفي مع الفني، ليصبح المنتج الحِرفي تعبيرًا عن هوية المكان وذاكرته، في مقابل أنماط الإنتاج الصناعي الموحّد، مع التأكيد على أهمية التوثيق ونقل المعرفة وربط الحِرف بالتعليم والتصميم والأسواق الحديثة بما يضمن استدامتها. وضمّ العدد أقسامًا متنوعة، من بينها «قضايا» التي ناقشت موضوعات فكرية وإنسانية معاصرة، تناولت مفاهيم الكرامة والسلام والتحولات في الخطاب الثقافي، وقدّمت مقاربات تحليلية تربط بين الواقع الراهن والجذور الفكرية لهذه القضايا، في سياق يوازن بين النقد والتأمل. وفي جانب الفنون، قدّمت المجلة قراءات ترى الفن فعل ذاكرة وممارسة إنسانية تتقاطع مع الحياة اليومية، فيما تناولت مواد العمارة قراءة الفراغ والمدينة بوصفهما نصّين ثقافيين يعكسان تحولات المجتمع والذائقة، ويرتبطان بالسياقين الاقتصادي والاجتماعي. كما احتفى العدد بالأدب عبر مقالات وقراءات نقدية في الرواية والشعر والسرد، إلى جانب تحقيقات تناولت قضايا الترجمة وأسئلتها الأخلاقية والثقافية، وعلاقتها بالموقف الإبداعي والإنساني، مؤكدة دور الترجمة بوصفها جسرًا معرفيًا لا ينفصل عن السياق الثقافي للمجتمعات. وتضمّن العدد صفحات مخصّصة لعرض الكتب والإصدارات الجديدة، قدّمت فيها المجلة قراءات تعريفية ونقدية تعكس تنوّع المشهد الثقافي العربي، وتواكب الإنتاج المعرفي في مجالات الفكر والأدب والفلسفة، إلى جانب مواد تستعيد محطات من الذاكرة الثقافية وتسلّط الضوء على مؤسسات ومبادرات أسهمت في دعم الثقافة العربية وحضورها العالمي. ويأتي هذا الإصدار ضمن خط تحرير الفيصل في تقديم أعداد جامعة بين الملف الثقافي العميق وتنوّع الاهتمامات المعرفية، حيث لا يُنظر إلى الحِرف اليدوية بوصفها موضوعًا احتفاليًا فحسب، بل كمدخل لقراءة أسئلة أوسع تتعلق بالهوية والعمل والجمال والاستدامة، ومكانة الثقافة في حياة المجتمع.