في مدينة لا تتوقف عن إعادة تعريف ذاتها، تقف أبراج الرياض الشهيرة كعلامات فارقة في المشهد الحضري، لا بوصفها مباني شاهقة فحسب، بل كرموز راسخة تشهد على تحولات العاصمة، وتؤكد أن العصرية لا تُقاس بعمر البناء، بل بقدرته على البقاء حاضرًا في الوعي والذاكرة. منذ سنوات طويلة، شُيّدت هذه الأبراج في لحظة كان فيها الطموح العمراني للرياض يتشكل بثقة، فكانت إعلانًا مبكرًا عن مدينة تنظر إلى الأعلى، وعلى الرغم من مرور الزمن وتسارع إيقاع التطوير العمراني من حولها، لم تفقد هذه المعالم بريقها، بل أعادت تموضعها داخل مشهد حضري أكثر تنوعًا ونضجًا، محافظة على حضورها كرموز لا تتقادم. ولم تبنَ الأبراج المعروفة في الرياض لتكون لحظة عابرة، بل لتؤسس صورة ذهنية طويلة المدى، ومع أن سنوات طويلة تفصل بين تدشينها واليوم، إلاّ أنها لم تدخل مرحلة "القديم"، بل انتقلت إلى مساحة أعمق مساحة الرمز. واليوم، تتكيف هذه الأبراج مع تغير الذائقة البصرية وتطور الاستخدامات، لتؤكد أن المعمار الواعي لا يفقد قيمته بمرور الزمن، بل يعيد إبراز حضوره بأسلوب متوازن ينسجم مع التحولات الكبيرة. وليست الأبراج مجرد كتل خرسانية تعانق السماء، بل هي جزء من ذاكرة الرياض اليومية، عندها تُلتقط الصور، وبقربها تُنسج الذكريات، وفي ظلها تعرّف المدينة نفسها لزوارها، هي نقاط دلالة في الخريطة، وعناوين مختصرة للمدينة، وشواهد صامتة على انتقال الرياض من مدينة تنمو إلى مدينة ذات ملامح حضرية راسخة. وتركت كل مرحلة عمرانية مرت بها العاصمة أثرها حول هذه الأبراج، فصارت بدورها شاهدة على التحولات من التوسع الأفقي إلى الجرأة الرأسية، ومن البساطة إلى التنوع، ومن المحلية إلى العالمية. وفي زمن تتكاثر فيه المشروعات الجديدة وتتنافس فيه التصاميم، تظل أبراج الرياض الأيقونية حاضرة بلا صراع؛ لأنها لا تنافس على الحداثة، بل تثبت أن الهوية حين تُبنى بوعي، وتبقى مهما تغيّر الزمن.