الرئيس دونالد ترمب يقدم في ولايته الثانية عملاً استثنائيًا ومتسارعًا نحو تحقيق مشروعاته الانتخابية على الأصعدة كلها، وفي مقدمتها ملف الهجرة والتضخم والتبادل التجاري والسياسة الخارجية والأمن والدفاع. وفي إطار هذا العمل الاستثنائي الذي تقدمه إدارة ترمب سنركز في هذا المقام على أمر انشغل به أغلب سكان العالم، وهو العملية العسكرية الأميركية في كراكاس عاصمة فنزويلا، ونقف على كواليس وتداعيات إحدى العمليات الأكثر جرأةً ودقةً في تاريخ الولاياتالمتحدة الأميركية. كيف تمكنت الولاياتالمتحدة من القبض على أحد أكبر قادة العالم حمايةً في غضون دقائق ودون أي خسائر بشرية؟ وفقًا للقائد السابق لجيش الولاياتالمتحدة في أوروبا، بن هودجز، اعتمدت المهمة على أسابيع من التحضير، وقوات مشتركة نخبوية، وعمليات إلكترونية، ومعلومات استخباراتية دقيقة للغاية، إلى درجة أنهم عرفوا بدقة مكان وجود مادورو والأدوات المطلوبة لاقتحام قصرة. استعدادًا للعملية، أنشأت قوة دلتا نسخة طبق الأصل من القصر (بما في ذلك غرفة النوم ذات الأبواب الفولاذية) في موقع تدريب أميركي. تدربت القوات على الهجوم مرارًا وتكرارًا، من الاقتحام وتطهير الغرف إلى الانسحاب، حتى أتقنته تمامًا. حمل الفريق قواطع حرارية عالية الطاقة (مواقد لحام) خصيصًا لتلك الأبواب الفولاذية. في عملية المداهمة، كانت السرعة حاسمة: اقتحم العناصر بسرعة فائقة لدرجة أن مادورو وسيليا فلوريس أُلقي القبض عليهما قبل أن يتمكنا من إغلاق غرفة الذعر بالكامل. تم قطع التيار الكهربائي في كاراكاس عبر تعطيل إلكتروني، وتعطلت الدفاعات الجوية أو تم إيقافها، وفشلت مليارات الدولارات من منظومات إس-300 وبوك الروسية في إسقاط مروحية أميركية واحدة! على الرغم من الاستخبارات الكوبية والقوات الفنزويلية والتحصينات الأمنية المتعددة حول مادورو، نجحت العملية في دقائق؛ مما يشير إلى اختراق عميق للنظام ودعم محتمل من الداخل. لم يُقبض إلا على مادورو وزوجته، بينما بقي باقي مكونات النظام، ما يدل على أن هذه لم تكن عملية تغيير شاملة للنظام، بل عملية محددة ومُتقنة. وحول هذه العملية التاريخية قال كذلك أستاذ العلوم السياسية الأميركي يان بريمر: «إن قدرة الولاياتالمتحدة على تنفيذ ضربات دقيقة، بفضل «أفضل الكفاءات في العالم»، تفوقت ببساطة على مليارات الدولارات من أنظمة الدفاع الجوي الروسية التي تحمي مادورو، كان الأمر يتعلق أكثر بقدرة الأميركيين على تنفيذ ضربات في غاية الدقة، ومعرفتهم الدقيقة بمكان مادورو، وتوفر الظروف الجوية المناسبة، والدخول السريع والانسحاب السريع». هذه العملية النوعية التي تأتي بعد فترة وجيزة من دخول الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض تفتح مرحلة جديدة داخل معادلة موازين القوى وتنبئ بمزيد من الخطوات الجريئة لتغيير النظام في دول أخرى محيطة بالولاياتالمتحدة الأميركية، من أهمها دولة كوبا التي لم تتمكن أية إدارة أميركية منذ عهد جون كينيدي من إحداث أي تغيير يذكر فيها بالرغم من أنها نافذة روسيا وعمقها العسكري نحو أميركا، وفي هذا السياق قال السيناتور ريك سكوت: «شكرًا جزيلًا للرئيس الأميركي دونالد ترمب على شجاعته في فعل ما لم يفعله الآخرون ومحاسبة الديكتاتوريين في جميع أنحاء أميركا اللاتينية». مع وجود ثروات فنزويلا وتحالفاتها الخارجية وتوازن القوى الإقليمي على المحك، فإن العملية توجه تحذيرًا للمنافسين وحلفائهم ، وهذا يعد نجاحًا غير مسبوق في مرحلة حرجة من عمر السياسة الخارجية الأميركية التى تواجه تحديات جسيمة على صعيد الصراعات العسكرية والتجارية. من خلال عملية القبض على زعيم فنزويلا وإحالته إلى المحكمة في مدينة نيويورك يبدوا أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب حقق انتصارًا كبيرًا على ثلاث جبهات رئيسة، وهي الصينوروسيا وإيران؛ لذلك ربما تعد المرحلة المقبلة حبلى بتحولات سياسية واقتصادية جسيمة قد تعيد صياغة المشهد الدولي.