استطلاعات الرأي السعودية على السوشال ميديا، تسوق لنتائج مضللة لا تمثل المجتمع، ولا يؤخذ بها أكاديميًا، وأتمنى ألا تتم المصادقة عليها صحافياً، لأنها -في الغالب- منحازة وبعيدة عن الحياد، والمسألة لا تتوقف عند المملكة، بل تمتد لكل الاستطلاعات الرقمية باختلاف جنسياتها لصعوبة تحديد مجتمعها ولإمكانية تدخل الذكاء الاصطناعي في التأثير على تفضيلاتها ونسبها.. في تقرير أجراه معهد رويترز للأخبار الرقمية على 48 دولة، ونشر في عام 2025، وجد أن أكثر من 54% من شباب العالم، في المتوسط، يعتمدون على المنصات الرقمية كمصدر رئيس للأخبار، والمشكلة ان القضايا والأخبار التي تقدم في السوشال ميديا، ويقال انها تمثل الرأي العام في دولة معينة أو في مجموعة من الدول، لا تعكس واقعاً ولا حتى حقائق يمكن الاعتماد عليها، والدليل دراسة نشرتها جامعة دوسبورغ إيسن الألمانية في 2019، وتم فيها اختبار تأثير الحسابات الوهمية على النقاشات العامة في المنصات الرقمية، وأكدت الدراسة انه ورغم محدودية أعداد هذه الحسابات -التي لا تتجاوز في أحسن الأحوال ما نسبته 4% من إجمالي الحسابات المشاركة في كل نقاش- الا أنها كافية لقلب المعادلة لصالحها، لأنها تنشر بكثافة عالية، وتسهم في تفعيل ما يعرف باسم: دوامة الصمت عند بقية المستخدمين الذين سيقبلون في نهاية الأمر برأيها لاعتقادهم أنه يعبر عن السائد في المجتمع. بالإضافة لما سبق -وبحسب تقرير نشره مختبر التحقيقات الرقمية، بالتعاون مع موقع الغارذيم ووتش- ساهمت منصة من منصات السوشال ميديا، في زيادة التفاعل على محتوى حساب حزب البديل من أجل ألمانيا، بأكثر من ثمانية أضعاف، ورغم أن معدي التقرير لم يجدوا دليلاً على تلاعب ممهنج في الخوازميات يفسر الارتفاع الكبير في أرقام التفاعل، الا أنهم أكدوا على دور الملياردير صاحب المنصة في الرفع من شعبية المواقف التي يتباها الحزب اليميني الألماني، والمسألة تجاوزت مستخدميها، واستضافته لزعيمة الحزب أليس فايدل، على حسابه، ومحاورتها وتأييدها بشكل صريح، فما حدث ساهم في رفع أعداد المصوتين للحزب، بمعدل الضعف، والسابق أوصله للمركز الثاني في الانتخابات الفيدرالية الأخيرة. الأصعب ما رصدته دراسة نشرتها شركة غوغل في 2023، عن زيادة تدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي في حملات التأثير على الرأي العام، وذلك من خلال تطوير محتوى مفبرك بالكامل، او حسابات زائفة تتم برمجتها من قبل الدول أو الأشخاص أو الجماعات الإجرامية، وتعتمد على دراسة طريقة تفكير الناس في المجتمعات المستهدفة، وابتكار أساليب للتأثير عليهم وإقناعهم، وقد نفذ هذا بصيغة مبسطة، في فضيحة شركة كامبريدج اناليتيكا عام 2018، عندما وظفت بيانات ملايين المستخدمين على فيسبوك لاستهدافهم بمحتوى معد بعناية، يؤثر في قناعاتهم وسلوكهم الانتخابي، وقد كان الاستهداف فاعلا في حملتي التصويت على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وعلى الانتخابات الرئاسية الأولى لدونالد ترمب، والمسألة في الوقت الحالي لا تتوقف عند الأتمتة وحدها، فالذكاء الاصطناعي التوليدي بإمكانه استهداف آحاد الناس والاستفراد بهم لإقناعهم بما يطلب منه، عن طريق توليد نصوص وصور أقرب للحقيقة، وهو أمر غاية في الخطورة. قبل أكثر من 100 عام، نشر الكاتب والصحافي الأميركي المعروف، والتر ليبمان، في كتابه: الرأي العام، أن الناس لا يتعاملون مع الواقع كما هو، وإنما من خلال صورة ذهنية مشوهة ومجتزأة، يصنعها الإعلام عن طريق اختيار معلومات معينة وتقديمها، ضمن ما أسماه «البيئة الزائفة»، واليوم وفي زمن هيمنة خوارزميات السوشال ميديا يبدو ان الجماهير والصحافيين دخلوا في بيئة زائفة من نوع جديد، تحددها برمجيات لا تهتم بالحقيقة، بقدر اهتمامها بالتفاعل والأرباح. الصحافي البريطاني المعروف روبرت ماكسويل قال في 2002: إن تركيز الإعلام على قضية معينة سيجعل الناس ينظرون اليها باعتبارها الأهم، ويدخلونها في قائمة أولوياتهم تلقائيا، ولو لم تكن صحيحة، وفي أواخر الأربعينات الميلادية، استهدفت وكالة المخابرات المركزية في أميركا، السيطرة على الإعلام والرأي العام، المحلي والدولي، من خلال برنامج تجنيد صحافي عرف باسم: موكينغ بيرد، لإعطائها أفضلية في التأثير على التغطيات الإعلامية، وعلى نشر تقارير تدعم السياسات الأميركية، وتهاجم خصومها، وتهمش الأخبار التي تضر بأولوياتها، والبرنامج تم كشفه وأوقف بمعرفة مجلس الشيوخ الأميركي في السبعينات الميلادية، واستقلالية الصحافة الأميركية مازالت محل جدل، مع انه ليس ضروريا حالياً، فقد لاحظت دراسة قامت بها جيسيكا فيزل، من جامعة نيو مكسيكو الأميركية في 2017، أن ترتيب الأولويات العامة وتوجيه القناعات، في الموضوعات على اختلافها، انتقل من الصحافة المطبوعة ونشرات الأخبار الى خوازميات السوشال ميديا. الشي الآخر؛ ان استطلاعات الرأي السعودية على السوشال ميديا، في مجال الرياضة أو القضايا الاجتماعبة أو غيرها، تسوق لنتائج مضللة لا تمثل المجتمع، ولا يؤخذ بها أكاديميًا، وأتمنى ألا تتم المصادقة عليها صحافياً، لأنها -في الغالب- منحازة وبعيدة عن الحياد، والمسألة لا تتوقف عند المملكة، بل تمتد لكل الاستطلاعات الرقمية باختلاف جنسياتها، لصعوبة تحديد مجتمعها، ولإمكانية تدخل الذكاء الاصطناعي التوليدي في التأثير على تفضيلاتها ونسبها، لأن طريقة عمل الاستطلاعات الموثوقة تختلف، ولا تعتمد على توزيع الاستبانات أو المقابلات التقليدية، أو تصويت متابعي المؤثر أو متصفحي حسابه، والمنهجية العلمية المعمول بها عالميا تكون عن طريق الاتصال العشوائي من هاتف ثابت لتأكيد مصدر الاتصال، وعلى شخص لا يعرفه من يقوم بالاستطلاع، والأخير يوجه الأسئلة ويسجل الإجابات عليها لا أكثر.