نعم، سبق الجاحظ هذا العلم المعاصر بفهم مبكر لطبيعته. فأبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (160ه – 255ه) كان أديباً ساخراً ومفكراً التقط آليات التواصل من صميم الحياة الاجتماعية قبل أن تُفكك وتُعنون وتُدرَّس بعد قرون. ما يُطرح اليوم تحت مسميات مثل (لغة الجسد) و(التواصل غير اللفظي) لم يكن عند الجاحظ علماً منفصلاً أو مجرد وسيلة تأثير، بل جزءًا أصيلاً من مفهوم البيان نفسه. في كتابه (البيان والتبيين) يمتد مفهوم البيان ليشمل الكلام المنطوق والإشارة ونظرة العين وحركة اليد، إذ يقول بوضوح: «والإشارة واللفظ شريكان، ونعم العون هي له، ونعم الترجمان هي عنه». هذا الاتساع يقوم على تعداد الوسائل وعلى فهم طبيعة التواصل الإنساني، حيث يسبق المعنى اللفظ وقد يُؤدَّى بدونه إذا اقتضى المقام وتطلب الحال. لم يكن سؤال الجاحظ: كيف نؤثر في الناس؟ بل: متى تؤدي الوسيلة معناها دون أن تخونه أو تربك المعنى؟ لذلك لم يتعامل مع الإشارة على أنها مهارة عرض، ولا مع الصمت على أنه فضيلة دائمة، بل بوصفهما وسيلتين تُقاسان بالحاجة والمقام. وهنا تتجلى معنى (الاقتصاد في الدلالة) عنده، حيث يرى أن البلاغة تكمن في إيصال أقصى معنى بأقل وسيلة ممكنة، فالصمت بليغ حين يمنع الزيادة، والإشارة صادقة حين تغني عن الشرح، وكل وسيلة تفقد قيمتها إذا تحولت إلى استعراض، وحركة الجسد لا تعني شيئاً إن انفصلت عن الرسالة. والبيان عند الجاحظ يُقاس بجمال الوسيلة وبملاءمتها للمقام، فما يَحسن في مجلس قد يفسد في آخر، وما يكون دالاً عند مجتمع قد يُعد تكلفاً عند غيرهم. فالمقام هو الميزان الذي يمنح الإشارة معناها، ويسلبها قيمتها إن أُسيء اختيارها. وحين يشير بنظرة العين أو حركة اليد، لا يقصد تضخيم الجسد، بل الاقتصاد في الوسيلة لتصيب المعنى بدقة. هنا تظهر المسافة بينه وبين كثير من الطروحات المعاصرة، التي نزعت عن التواصل غير اللفظي معناه الاتصالي وحولته إلى أدوات إقناع وإدارة انطباع تُستخدم بمعزل عن الواقع والمقصد. ربما لم يُنسب هذا السبق للجاحظ عالمياً لأن كتابه صُنف أدباً لا علم تواصل، ولأن ترجمته جاءت متأخرة، ولأن المنهج الحديث اعتاد تفكيك الإنسان إلى مهارات منفصلة: اللغة، تركيز النظر، الوقفة، حركة الجسد، والصورة. أما الجاحظ، ابن القرن الثالث الهجري، فكان يرى الإنسان وحدة واحدة: معنى يُراد إيصاله، ووسيلة تُختار بميزان، مستخدماً الأدوات بمهارة وبقراءة فاحصة. وفي حال أولئك الذين يكثرون من الكلام ويضعفون فيه البيان، تبدو العودة إلى أدوات الجاحظ مساندة فكرية وتعليمية وتربوية. المشكلة ليست في كثرة وسائل التواصل، وإنما في انفصالها عن المعنى، وما يُضعف التواصل الإنساني غياب استخدام الأدوات في مواضعها. فالناس يستخدمون الإشارة، ونبرة الصوت، ونظرة العين، ولغة الجسد، والصمت فطرياً في حياتهم اليومية، ويفهم الطفل معناها قبل الكبار. غير أن تهذيب هذه الوسائل منذ النشأة الأولى، وفهمها كمهارة ومسؤولية تواصلية، يكفل تقليل سوء الفهم، وترشيد الجدل، ورفع مستوى التفاهم في الخاص والعام. ويبقى السؤال: متى تتحول الإشارة بياناً وبلاغة، ومتى تصبح عبئاً على المعنى؟ ومتى يخدم المجتمع تقليل الكلام بدل زيادته؟ وهل يُحسن أن تبدأ البداية من بواكير مراحل المدرسة لا في نهايتها؟ إذا كان الأمر كذلك، يصبح من الضروري إدراج منهج يعلم لغة التواصل منذ المدرسة، واستمرار التدريب عند التحاق الموظف بالعمل والمشاركة في المجتمع، لتُعرف أدوات الجاحظ والأدوات الحديثة، ويتمكنوا من إصابة المعنى بأقصى دقة ونحن نقول أقل. محمد بن مساعد العصيمي