المبادرة ليست مجرد فعلٍ يُنجَز، ولا خطوة تُتَّخذ، بل حالة داخلية أشبه بوميضٍ ينطلق من أعماق الذات قبل أن يظهر في السلوك، وحين نسأل: أين تجد نفسك في هرم المبادرة؟ فنحن في الحقيقة لا نسأل عن موقف عابر اتخذته، ولا عن مهمة سبقتَ فيها غيرك، بل نسأل عن منهج حياتك: هل تبدأ أنت حيث يتردد الآخرون؟ هل تتحرك حين يتوقف غيرك؟ هل تصنع الفكرة، أم تنتظر من يضعها بين يديك؟ المبادرة بمعناها البسيط قبل أن نثقلها بالتعريفات هي "السبق". أن تسبق بمعرفتك، برؤيتك، بخطوتك، وبشجاعتك، أن تكون أنت أول من يفتح الباب، لا أول من يقف عنده متسائلًا، وأن ترى الحاجة قبل أن تتحول إلى أزمة، وتفهم الإشارة قبل أن تتحول إلى صراخ. إنها روح التقدم، وفلسفة الانطلاق، وميزان التفوق الذي لا يحتاج إلى منصب ولا قوة، بل يحتاج إلى وعي حيّ يُدرك أن الفرص لا تأتي لمن ينتظر، بل لمن يذهب إليها. ولأن المبادرة لا تجتمع مع التلاوم، كان بينهما عداءٌ أزلي؛ فالمبادر يتجه نحو الحل، بينما المتلاوم يتجه نحو العذر. المبادر يسأل: ماذا يمكن أن أفعل الآن؟ أما المتلاوم فيسأل: من المسؤول؟ وبين السؤالين بونٌ شاسع يحدد المسافة بين النجاح والجمود، إذا فكأننا نقول من يبحث عن اللوم يعيش في الماضي، ومن يبادر يعيش في اللحظة، ويبني للمستقبل. قد نتفق أن المبادرة ليست جرأة مرتبطة بشخصية قوية فحسب، بل هي تربية ذهنية، وكيف تعوّد نفسك على التفكير بالفعل لا بالهروب، والتقدم لا بالتراجع، والمحاولة لا بالتبرير. كل مبادرة تبدأ بسؤال صغير: ماذا لو بدأت أنا؟ وقد أثبتت التجارب أن أعظم النجاحات لم تولد من خطط ضخمة، بل من خطوة أولى اتخذها شخص عادي، لكنه امتلك "لحظة المبادرة". ولكي تعرف موقعك في هرم المبادرة، انظر إلى مواقفك الصغيرة قبل الكبيرة: من خلال سؤال يتفرع: * هل تصلح ما تستطيع إصلاحه، أم تنتظر من يفعل؟ * هل تبدأ عملك قبل أن يُطلب منك، أم بعد التذكير؟ * هل ترى المشكلة فرصة، أم تراها مؤامرة ضد وقتك وجهدك؟ * هل تهرع إلى الفكرة فتلتقطها، أم تنتظر حتى تُقدم إليك في طبقٍ من ذهب؟ في بيئات العمل مثلاً، وفي الحياة عمومًا، المبادر هو الشخص الذي تنجذب إليه الأحداث، وتتسع له المساحة، لأنه يقول في قلب الحدث "كيف يكون دوري؟ طبعت الحياة أنها لا تنتظر المتردد، ولا تمنح البطاقات الذهبية للمعتذر، ولا تفتح الأبواب لمن أمضى عمره في التبرير، بل تعطي للمبادر... الذي فهم أن الخطوة الأولى هي الخطوة الوحيدة التي تُغيّر كل شيء. ختامًا، المبادرة سرّ التفوق الذي يصعد بالإنسان من منطقة الانتظار إلى منطقة التأثير.