منذ إطلاقه في أكتوبر 2023م، رسّخ كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات في مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية بالرياض حضوره مبادرةً بحثية وثقافية تسعى إلى إعادة وصل الثقافة العربية بمسارات الفكر العالمي، وفتح آفاق جديدة للحوار العابر للغات والحدود. وجاء تأسيس الكرسي بدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة، فيما تتولى إدارته العلمية الدكتورة منيرة الغدير، ضمن رؤية تتجاوز الترجمة التقليدية إلى مقاربة أوسع تتعامل مع «ترجمة الثقافات» مساحةً بحثيةً وإبداعيةً تتقاطع فيها دراسات الترجمة، والدراسات الثقافية، والتراث غير المادي، والإنسانيات، والذكاء الاصطناعي، على المستويات المحلية والإقليمية والدولية. ويعمل الكرسي على بناء جسور معرفية بين الثقافات، من خلال تشجيع الشراكات التي تجمع الأكاديميين والمبدعين وصُنّاع القرار، وإطلاق مبادرات بحثية، وتقديم زمالات، وتنظيم ندوات وورش متخصصة، بما يسهم في توسيع مفهوم الثقافة وتعزيز التنوع الثقافي والحوار بين الحضارات عبر الترجمة. وخلال فترة وجيزة، حقق الكرسي حضورًا لافتًا على المستويين البحثي والثقافي، حيث أصدر، بدعم من هيئة الأدب والنشر والترجمة، كتاب «اقتفاء الأثير: مختارات من الشعر المعاصر في المملكة العربية السعودية»، وهو كتاب ثنائي اللغة يضم 62 قصيدة لستة وعشرين شاعرًا وشاعرة من أبرز الأصوات الشعرية السعودية، وحررته وقدّمته الدكتورة منيرة الغدير. كما أطلق عددًا خاصًا من مجلة Babel العالمية في يوليو 2025م بعنوان «إعادة النظر في ترجمة الثقافات»، متضمنًا أربعة بحوث محكّمة ومقدمة علمية تناولت تحولات هذا الحقل المعرفي على مدى أربعة عقود. وفي مجال الترجمة، أنجز الكرسي ترجمة ورقة بحثية للفيلسوف المغربي الدكتور عبدالسلام بنعبد العالي بعنوان «الفلسفة والترجمة في العالم العربي» إلى اللغة الإنجليزية، إلى جانب العمل على ترجمة كتاب الباحث الصيني وانغ نينغ «التحول الثقافي في دراسات الترجمة»، وكتاب الدكتور سعد الصويان «الصحراء العربية: ثقافتها وشعرها عبر العصور». كما نظم الكرسي خلال عام 2025 سلسلة من المحاضرات والندوات الافتراضية التي تناولت تقاطعات الترجمة مع الذكاء الاصطناعي، من بينها محاضرة للبروفيسور جوس موركينز حول تقنيات الترجمة، ومحاضرة للبروفيسور لورنس فينوتي ناقشت العلاقة بين المترجم البشري والخوارزميات، إضافة إلى لقاء حواري جمع الروائية هدى بركات والمترجمة مارلين بوث حول عالمية الرواية العربية ودور الترجمة في نقل الأدب. وفي سياق الاهتمام بالتراث الثقافي غير المادي، عقد الكرسي ورشتي عمل افتراضيتين حول ترجمة التقاليد الشفوية وصون التراث الثقافي، بالتعاون مع هيئة التراث وثلاثة كراسي لليونسكو، وبمشاركة باحثين من جامعات عالمية، ضمن جهود دعم البحث المشترك بين العالم العربي والجنوب العالمي. وعلى صعيد الشراكات، أسس الكرسي شبكة تعاون أكاديمي وثقافي واسعة، شملت مؤسسات محلية وإقليمية مثل هيئة التراث وجامعة البحرين ومركز أبوظبي للغة العربية، إلى جانب شراكات دولية مع جامعات في سويسرا وإسبانيا والمكسيك والصين، في إطار توسيع التعاون عبر شبكة كراسي اليونسكو (UNITWIN). وقد عكست شهادات الباحثين والأدباء المشاركين في فعاليات الكرسي قيمة هذه المنصة التي أتاحت فضاءات للحوار وإعادة التفكير في مفاهيم الترجمة والثقافة، وربط البحث الأكاديمي بالممارسة الإبداعية والسياسات الثقافية. ويرى مشاركون أن هذه المبادرات أسهمت في تعزيز حضور الثقافة العربية على الساحة الدولية، وفتحت مسارات جديدة للتعاون والتبادل المعرفي. بهذه الأنشطة والبرامج، يواصل كرسي اليونسكو لترجمة الثقافات ترسيخ دوره منصةً معرفيةً سعوديةً ذات امتداد دولي، تسعى إلى جعل الترجمة جسرًا حيًا للتواصل الإنساني في عالم يشهد تحولات متسارعة. مشاركة كرسي اليونسكو في معرض موسكو الدولي للكتاب كرسي اليونسكو يدشن كتاب «اقتفاء الأثير»