خلال لقاء مع التايمز الأميركية، قال جون باغانو، الرجل المسؤول عن مشروع البحر الأحمر الضخم بقيمة 30 مليار دولار: "الدولة، بقيادة قائد رؤية السعودية 2030، ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، مهدت الطريق للمستثمرين من القطاع الخاص، تمامًا كما فعلت حكومة مارغريت تاتشر في لندن، وتحديدًا في منطقة دوكلاندز". السؤال: ماذا فعلت أقوى رئيسة وزراء في تاريخ بريطانيا الحديث؟ في مطلع الثمانينيات، كانت أرصفة الشحن الصدئة في شرق لندن شاهدة على أفول حقبة صناعية كاملة. انهار النشاط المينائي التقليدي، وخلّف وراءه مساحات شاسعة من الأراضي المهجورة، وبطالة متفاقمة، ومجتمعات تبحث عن مخرج. عندها اختارت حكومة تاتشر مسارًا مختلفًا — مسارًا يقوم على تمكين السوق وتسريع اتخاذ القرار. في عام 1981، تم إنشاء «مؤسسة تطوير دوكلاندز بلندن»، وهي هيئة مُنحت صلاحيات تخطيط واسعة جرى تحويلها من المجالس المحلية بهدف تجاوز التعقيدات البيروقراطية وتسريع عملية إعادة الإعمار. ثم أعلنت مناطق اقتصادية خاصة، وقدمت إعفاءات ضريبية وحوافز استثمارية، وقلّصت القيود التنظيمية، في محاولة واضحة لجذب رأس المال الخاص إلى منطقة كان المستثمرون يتجنبونها. وفي موازاة ذلك، دعمت الحكومة مشاريع بنية تحتية استراتيجية مهّدت الطريق لنهضة تجارية واسعة النطاق، تُوِّجت بصعود كناري وارف كمركز مالي جديد. كان النهج واضحًا: دولة تفتح الأبواب من خلال التشريعات التي تصنع بيئة جاذبة، وسوق يقود التحول. تحولت كناري وارف إلى أحد أكبر التجمعات المالية في أوروبا، لتصبح ركيزة إضافية تعزز موقع لندن كمحور مالي عالمي. تدفقت مليارات الجنيهات من الاستثمارات الخاصة، وظهرت عشرات الآلاف من فرص العمل في قطاعات التمويل والخدمات المهنية والبناء، ما أعاد الحياة إلى منطقة كانت تُعد عبئًا اقتصاديًا. كما تحولت المنطقة الصناعية المهجورة إلى أبراج زجاجية ومجمعات سكنية فاخرة، في مشهد أعاد رسم أفق شرق لندن. أصبحت دوكلاندز نموذجًا لسياسات تاتشر الحضرية: تدخل حكومي محدود الهدف، واسع الأثر، يهيئ الأرضية ويترك لقوى السوق مهمة البناء. وبحلول أواخر القرن العشرين، كان المشروع قد أسهم في ترسيخ مكانة لندن كعاصمة مالية عالمية — ليس فقط عبر إعادة إعمار منطقة، بل عبر إعادة تعريف دور المدينة في الاقتصاد العالمي. اليوم رؤية السعودية 2030 تعيد إلى الأذهان ما حققته المرأة الفولاذية مارغريت تاتشر من خلال مشروعها دوكلاندز، وفي هذا السياق قال جيري إنزيريلو، الرئيس التنفيذي لشركة الدرعية، إن مستوى الثقة في قدرة السعودية على تنفيذ مشاريعها وتحقيق مستهدفاتها «غير مسبوق»، مضيفًا: «لم أشهد في أي وقت سابق درجة من الثقة بقدرة المملكة على التنفيذ كما أراها اليوم». وأوضح أن الزخم لا يقتصر على قطاع بعينه، بل يمتد إلى السياحة والتعدين والزراعة والذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا، مؤكدًا أن «المستثمرين يؤمنون بالرؤية». ووصف المرحلة الراهنة بأنها «لحظة اختراق»، تتحول فيها الخطط والاستراتيجيات إلى وجهات نابضة بالحياة تستقطب الزوار والاستثمارات والاهتمام العالمي. وأشار إنزيريلو إلى أن هذه المشاريع بطبيعتها معقدة وتتطلب انضباطًا عاليًا وروح عمل جماعي، لكنه شدد على أن وجود قيادة قوية وفريق متماسك يجعل التعامل مع هذا الحجم من التحديات أمرًا ممكنًا وقابلًا للتحقيق. تتشابه مشاريع السعودية العملاقة ضمن رؤية 2030 إلى حدٍ كبير، من حيث الرؤية والمنهج، مع تجربة تطوير منطقة دوكلاندز؛ إذ تقوم على نموذج «الدولة الممكنة للسوق»: قيادة سياسية قوية، قرارات حاسمة وسريعة، أطر تنظيمية مرنة، والاعتماد على رأس المال الخاص لتحويل مناطق هامشية إلى مراكز اقتصادية عالمية. باختصار: الدولة تهيئ الأرضية، والسوق يتولى القيادة.