يتسابق الشعراء لتقديم أحاسيسهم حتى لو كانت بصيغة المبالغة.. والفنانون يعانون حتى يبلغوا مرحلة الإقناع بما يضيفونه من أعمال.. وفي الكرة ومنافساتها الأندية تجتهد وتبني عملا يرفع من شأنها وشهرتها، وحتى تلك الأقل إنجازا تجدها الأطول لسانا بحثا عن حضور تعمل عليه ليلا ونهارا، واللاعبون والمدربون يمتهنون الجدل حتى يكونوا حاضرين إعلاميا.. كل أولئك لأنهم معبرون وحاضرون في شأن مهم فهم ينالون حقهم من الشهرة، حتى لو كانوا غير مكتملين.. في كل منحى هناك ربح وهناك خسارة وهناك شهرة مستحقة وأخرى مغتصبة، لكن الخسارة الأكبر في زمننا التي يصعب قياسها، حينما يتابع الناس شخصيات تافهة لم تنجز شيئا مهما أو حتى غير مهم! نسوق التوطئة أعلاه للتأكيد أن هناك من يعمل لشهرة وينالها سواء بإعجاب أو بانتقاد وحتى ازدراء وفق أعمال فيها اجتهاد وفكر وفي معظمها ترتكز على موهبة أو أفضلية، لنشير هنا أن مشاهير الزمن السابق استحقوا ما كانوا عليه، حتى لو لم ينالوا الرضا من البعض.. لكن ماذا عن مشاهير اليوم؛ أولئك المسيطرون على منصات التواصل الاجتماعي، أو المعنيون بالتفاهة.. ولن نظلمهم لأنهم لا يقدمون شيئا مفيدا أو حتى تسلية مطلوبة، هم امتهنوا التفاهة مما جعلهم حاضرين باستمرار وسط متابعات ضخمة لا ينالها من هو صاحب منتج مفيد. المهم في القول -وهذا مؤكد- أن كثيرا منهم حتى تركيب جملة مفيدة لا يستطيع، والمصيبة الأعظم أن حضورهم الاجتماعي هو الطاغي «في كل واد يهيمون»، في المهرجانات وحتى المناسبات الاجتماعية الكبيرة والصغيرة، في المنافسات الرياضية في الاحتفالات موجودون، وفي افتتاح «بقالة» «يترززون» وبما جعل أرباحهم المادية هي الأعلى، من خلال أولئك التافهين تجد كثيرا من سقط القول وسوء الحركات، بل ولديهم من الإساءات لآخرين ما يعلمه إلا الله. لسنا ضد العمل على إبراز كل شخص نفسه، لكن ضد الموجة المحمومة التي جعلت من هذا المجال التافه مسيطراً وكأن ثقافتنا قد خرجت من ردائه فقط، لذا فمن حقنا أن نعلن التبرم المنطلق من دهشة مقلقة حين نرى أن مؤسسات معتبرة وحتى أشخاصا مهمين قد انساقوا وراءهم ومنحوهم المال لتسويق منتجهم أو شخصهم، وكأن المستهدف لديهم أولئك الأميون الذين يتابعونهم. أعترف أن هناك من سينظر إلى رأيي هذا بكثير من السخط؛ ولكنه رأي نابع عن قناعة تامة بما هو حولنا، وعليه فلابد من مواجهته والتصدي للتافه و»الغثيث» منه، لأن لا غنى الآن عن مواقع التواصل التي أصبحت الأكثر تأثيرا، لسهولة التعبير والتواصل فيها وبما يبني علاقات وثقافات مؤثرة جدا على كثيرين.. الأصل أن تكون مبنية على احترام وتعزيز القيم الاجتماعية وزرع الثقة، مع الارتقاء بالذوق العام، ولا بأس مع ذلك من الاستفادة ماديا، لكن وفق مهاترات وأساليب معوجّة فذلك ما نرفضه. ختام القول؛ إن المحتويات الرديئة هي السائدة الآن ولا بد من وعي مجتمعي لمحاربتها لأنها أضرت بالفكر الراقي الذي ينفع الجميع، بل إنها أصابت قيما اجتماعية في مقتل بإعمال عنوانها العبث والتفاهة والفجور.. لذا فسلوكيات المجتمع وقيمه لا بد أن تنتصر وتسود من جديد.. ولا عزاء للمندفعين خلفهم يدفعون لهم لأنهم يرجون شهرة موازية.