فلسفة العلم مصطلح حديث نسبيًا، ففي الماضي كان العلم من صلب الفكر الفلسفي يعمل بنفس المناهج وفي ذات الدائرة، كان العلماء هم الفلاسفة، إلا أنه مع تقدم العلم، ومع استقلاله بالمناهج والأدوات استقل العلم الابن عن الفلسفة الأم.. نتحدث هنا عن العلوم الطبيعية عمومًا وبشكل رئيس الفيزياء والكيمياء والأحياء، وكذلك عن العلوم «الإنسانية» علم النفس وعلم الاجتماع وغيرها.. لم تعد الفلسفة وحدها هي الرائد القائد في مجال الفكر الإنساني، بل أصبح العلم ذا السطوة الكبرى في هذا المجال! فمنذ العصور القديمة والفلسفة هي الأم لكل ما يتمخض عنه الفكر الإنساني، إلا أن التقدم العلمي والثورة التكنولوجية جعلت من هذا الابن يتمرد على الأم ويعلن عن فعالية قصوى تغير أرجاء الفكر وتأخذه إلى البعيد، البعيد، هناك حيث تغيير العالم وتغيير المفاهيم.. فأصبح هناك مصطلح «فلسفة العلم». رولان أومنيس.. في كتابه فلسفة الكوانتم وهي العلم الذي أصبح فلسفة! «فلسفة العلم هي الخلفية النظرية والمبادئ العامة التي تنطلق منها النظريات والقوانين والمنجزات العلمية. أي أنها العقل الذي يقبع خلف المنجز العلمي». إذا فلسفة العلم مصطلح حديث نسبيا، ففي الماضي كان العلم من صلب الفكر الفلسفي يعمل بنفس المناهج وفي ذات الدائرة، كان العلماء هم الفلاسفة، إلا أنه مع تقدم العلم، ابتداء من القرن السادس عشر، ومع استقلاله بالمناهج والأدوات استقل العلم الابن عن الفلسفة الأم. نتحدث هنا عن العلوم الطبيعية عموما وبشكل رئيس الفيزياء والكيمياء والأحياء وكذلك عن العلوم «الإنسانية» علم النفس وعلم الاجتماع وغيرها. مع هذا الاستقلال لم يعد للفلسفة بوصفها التفكير العقلي المجرد أو الصوري إلا مراقبة المناهج العلمية وفحصها وكشف تناقضاتها المنطقية، كما أن من مهام الفلسفة الحالية، في خصوص العلم، توسيع أفق العلماء في مواجهة المواقف والنتائج التي يتوصل إليها العلم، بل في مواجهة العقبات التي تعترض طريق العلم في هذا العصر. ومنذ ظهور قانون النسبية على يد العالم (البرت آينشتاين) أخذ الفكر مسارا بزاوية حادة نحو التفكير العلمي في الأدب حتى ظهور فلسفة «الكوانتم» في عصرنا هذا، وهي تعتبر ثورة هائلة في علم الفيزياء.. وقد سبق في ذلك الأمر أرسطو إذ كان هو من أسس العلم النظري من طبيعيات ورياضيات. يقول عبدالفتاح مصطفى غنيمة، في كتابه العلوم الطبيعية: «يمكن استخلاص وجهة نظر أرسطو في العلم الطبيعي من كتابه الطبيعيات Phsicg وفي السماء Decaelo، وهذان الكتابان يرتبطان بشكل وثيق، حيث كان لهما تأثير شديد، فقد سيطر كل منهاما على روح العلم حتى عصر جاليليو». والكوانتم مصطلح أطلق على كم أو كمية الضوء.. وهو الوحدة الأولية للضوء وللطاقة، وهي لفظة لاتينية تعني كمية أو وجبة قال بهذه النظرية العالم (ماكس بلانك عام 1900)، في محاولة لتقديم تفسيرات صحيحة للقوانين التي تم الاهتداء إليها بالنسبة لانبعاث الإشعاع عن الأجسام الساخنة، فكشف أن كل إشعاع يتضمنه الضوء يخضع لتحكم أعداد صحيحة.. أي يسير تبعاً لأعداد صحيحة لوحدة أولية للطاقة أطلق عليها اسم الكوانتم quamtum. وفي مقال لعبدالله المطيري بعنوان «فهم العلم المعاصر» يقول فيه «تكون الطاقة مؤلفة من وحدات أولية هي (الكمات) quamta حينما تنبعث الطاقة أو تستوعب، ينقل كوانتم واحدا أو اثنان أو مئة كوانتم ولكن لا يكون هناك أبداً جزء أو كسر من الكوانتم هو ذرة الطاقة مع ملاحظة أن حجم هذه الذرة، أي كمية وحدة الطاقة، تتوقف على طول موجة الإشعاع الذي ينقل به الكوانتم؛ فكلما كان طول الموجة أقصر كان الكوانتم أكبر». إن هذا المصطلح الجديد أصبح في نطاق الثورة العلمية والفكرية التي لا تنحصر على العلوم فحسب؛ بل امتدت إلى سائر الثقافات، وإن دلفنا من باب هذه الفلسفة وفي تناولها فذلك مما يعمق من عقائدنا ويقويها ويزيدنا إيمانا وقوة وانتصارا؛ بل نجعل منها ما يخدم ديننا وعقائدنا في توسيع دائرة المعارف تلك، حيث يواصل الكاتب في مقاله هذا فيقول «رغم الانتصار الساحق الذي حققته الكوانتم للنظرية الموجبة إلا أنها كانت تحمل في داخلها «الفوتون» وفي هذا إحياء للنظرية الجسمية للضوء؛ فهل ضلت الفيزياء الجديدة طريقها، ووصلت إلى مأزق ربما سبب في وأدها أو على الأقل عرقلتها؟ إلا أن المدهش والغريب حقاً كما يقول ريشنباخ إن أغرب ظاهرة في نظر المشاهد الفلسفية هي أن البحث الفيزيائي لم يتوقف نتيجة لهذه المتناقضات بل عمل الفيزيائي على السير في طريق وعلى نحو ما بهاتين النظريتين المتناقضتين وتعلم كيف يطبق إحداها تارة والأخرى تارة أخرى وذلك بنجاح مذهل فيما يتعلق بالكشوف المبنية على الملاحظة، فتطبيق النظريتين معاً لا يعني فقط التواجد معاً؛ بل في صورة أعمق هو أن الواقع الفيزيائي نفسه يقبل التفسيرين معاً أو أنهما ممكنان». لم تكن نتائج الكوانتم محصورة على الفيزيائي وحده، بل شملت النظرة العامة للكون ووسائل المعرفة -وخاصة الفنون والآداب والمسرح بشكل خاص- وتناميها في هذا الحقل الفلسفي الكبير، ولذلك يقول الدكتور صلاح القصب -وهو رائد مسرح الصورة بجامعة بغداد- حول توظيف الكوانتم في المسرح: «ستكون مرحلة الإدراك الحسي ومرحلة الفهم منفصلتين.. إن الشبكة أنسجة عصبية على تعقيد كبير وهي التي تقوم بتنفيذ التحليل المفصل للصور الواردة، ومن خلالها سنتعرف على ما إذا كانت الصورة تحوي خطوطاً رأسية قطاعات أخرى تتعرف على الخطوط الأفقية وتبقى قطاعات عصبية أخرى تميز الألوان وشدة الضوء وشدة وتكوينات الحركة، وهكذا تنقسم الصورة لحظياً إلى مكونات عديدة لإعادة تجميعها لكي يعيد المخ تشييد الشيء المرئي.. لقد انطلقت تكنولوجيا المسرح من خلال الكم الفيزيائي في التشييد المسرحي، وبدأت تتجلى وتظهر في نظام جمالي دقيق، ها هنا كل شيء نظام وجمال ضمن أنساق للفن صورية تتكون من رموز هندسية ومعادلات الفيزياء وعناصر الكيمياء.. تكنولوجيا المسرح هي الفراغ الكمي الذي يعني الغياب المطلق للثبات والتكرار جزئيات تظهر وتختفي بسرعة خارقة لا يمكن للقياسات التقليدية رصدها». ولذا فقد وجب على العالم أن يكون أكثر التصاقا بفلسفة العلم خصوصا في ظل المشكلات التي يواجهها العلم الآن.