شاهدت، كغيري، نقاشات واسعة ربطت بين البنية الجسدية للاعبين الرياضيين وبين صعود منتخب أو تراجع آخر، في مقاربات مباشرة تُرجِع الأداء إلى القوة البدنية أو ضعفها الظاهر. ورغم وجاهة هذا الطرح في مستواه التقني، إلا أنه غالبًا ما يغفل السياق الأوسع الذي تتشكل فيه الأجساد. فمن منظور سوسيولوجي، لا يمكن فصل البنية الجسدية عن محيطها الاجتماعي؛ إذ لا يُختزل الجسد في مؤشرات شكلية، بل يُفهم بوصفه نتاجًا تراكميًا لأنماط عيش وتنظيمات اجتماعية وسياسات يومية غير مرئية تحكم النوم، والتغذية، والحركة، والعمل. في علم الاجتماع الصحي، تُعد صحة الجسد مؤشرًا بنيويًا على جودة الحياة داخل المجتمع. فاختلال الإيقاع الحيوي، وضعف جودة التغذية، وتراجع مستويات النشاط البدني ليست ممارسات فردية معزولة، بل أنماط سلوكية مستقرة تتشكل داخل بيئات حضرية ومهنية وتعليمية تضغط على الفرد وتعيد تشكيل جسده تدريجيًا. ومع مرور الوقت، تظهر هذه الاختلالات في صورة انخفاض في الكفاءة الجسدية، وتراجع القدرة على التحمل، وارتفاع قابلية الجسد للإجهاد والأمراض المزمنة. الجسد هنا لا يعكس ضعفًا فرديًا، بل يسجل تاريخًا طويلًا من التكيف القسري مع أنماط حياة غير متوازنة جرى تطبيعها اجتماعيًا كالسهر المفرط وإهمال بناء الكتلة العضلية للجنسين وكأن امتلاك كتلة عضلية أمر ترفيهي بجانب الاستهتار في نمط الطعام. تجربة كوريا الجنوبية تقدم نموذجًا فريداً دالًا على قابلية البنية الجسدية للتحسن عبر السياسات الوقائية بعيدة المدى. فخلال النصف الثاني من القرن العشرين، أسهم الاستثمار في تغذية الطفولة المبكرة، والرعاية الصحية الوقائية، وجودة الوجبات المدرسية، وتحسين بيئة النمو، في تحقيق تحسن ملحوظ في المؤشرات الجسدية للسكان. وقد انعكس ذلك في ارتفاع متوسط الطول خلال عقود محدودة، دون تدخلات طبية مباشرة تستهدف القامة بحد ذاتها. هذا التحسن لا يُقرأ بوصفه إنجازًا شكليًا، بل كمؤشر علمي على توسع الإمكانات البيولوجية الطبيعية نتيجة تحسن صحة الجسد الجماعية، وهو ما يؤكد أن التقزم أو تراجع الكفاءة الجسدية ليسا حدودًا وراثية ثابتة، بل نتائج اجتماعية قابلة للتعديل. تكمن الإشكالية الأعمق في تطبيع تراجع الكفاءة الجسدية والتعامل معه كقدر حتمي، بدل قراءته بوصفه نتاجًا بنيويًا لسياسات حياة قابلة للمراجعة والتطوير. حين يُختزل الجسد في مظهر، أو تُفسَّر هشاشته كمسؤولية فردية خالصة، يغيب النقاش الجاد حول البنية الاجتماعية المنتجة لهذا الواقع. فإن الاستثمار في صحة الجسد ليس ترفًا ولا خطابًا مثاليًا، بل خيار استراتيجي يقلل الأعباء الصحية والاقتصادية مستقبلًا. فالجسد، في نهاية المطاف سجل اجتماعي صادق يعكس ما نُنظمه، وما نُهمله، وما نُعيد إنتاجه يومًا بعد يوم.