شهدت إجازة الطلاب التي امتدت زهاء السبعة أيام، حركة لافتة في خارطة السياحة الداخلية، إذ بدت مدن المملكة ومحافظاتها وكأنها تتبادل الزوّار في مشهد يعكس وعيًا متناميًا بثقافة الترحال المحلي ورغبة حقيقية في اكتشاف التنوع الهائل الذي تزخر به بلادنا. فمع بداية الإجازة، تحركت العائلات والشباب عبر الطرقات، متجهين من منطقة لأخرى، وكأن "تدوير السياحة" أصبح ظاهرة اجتماعية تستحق القراءة والتأمل. لم يكن المشهد عابرًا ولا مجرد تزاحم موسمي؛ بل هو انعكاس لنهضة نوعية تعيشها المملكة في البنى السياحية والترفيهية، ونهج جديد جعل المواطن والمقيم يضعان خيار "السياحة الداخلية" في مقدمة أولوياتهما، ولعل أجمل ما في هذه الظاهرة أنّها جاءت تلقائية، مدفوعة بإحساس الناس بأن كل منطقة باتت تمتلك ما يستحق الزيارة، وما يضيف تجربة جديدة لذكرياتهم. التحولات التي شهدتها المناطق والمحافظات خلال السنوات الأخيرة أسهمت في خلق منافسة إيجابية بينها. فالمشروعات الترفيهية الضخمة التي احتضنتها بعض المدن، والمسطحات الخضراء، والمهرجانات الموسمية، وإعادة تأهيل المواقع التراثية، وفتح مسارات جديدة للمشي الجبلي والرياضات الصحراوية؛ كلها عوامل جعلت المسافر المحلي يشعر بأن كل وجهة داخل المملكة تحمل نكهة مختلفة، وتجربة تستحق العناء. ولعل أبرز ما أكسب "تدوير السياحة" زخمه هو تنوع الخيارات. فالسائح الذي يبحث عن الأجواء الباردة يجد ضالته في المرتفعات الجنوبية والغربية، ومن يفضل البحر يجد شواطئ الشرقية والبحر الأحمر بامتداداتها الساحرة، ومن يعشق التاريخ والتراث يقف مشدوهاً أمام أحياء العلا ووسط الهفوف ودرعية الرياض وغيرها. هذا التنوع جعل من الانتقال بين منطقة وأخرى أشبه برحلة بين عدة دول، دون مغادرة حدود الوطن. كما أن البنية التحتية الحديثة كان لها دور أساسي في تعزيز هذا الحراك. شبكة الطرق الواسعة، والفنادق والنزل الريفية، والمطاعم ذات الهوية المحلية والعالمية، والفعاليات الموسمية، كل ذلك جعل السائح يشعر بالراحة والطمأنينة، ما شجّع العائلات على السفر لمسافات أطول وبعدد مرات أكبر. لقد تحولت بعض المحافظات -التي كانت تُعد سابقاً محطات عبور- إلى وجهات كاملة، يقصدها الناس خصيصًا، وهذا بحد ذاته تحول ثقافي واقتصادي مهم. ولا يمكن الحديث عن السياحة الداخلية دون الإشارة إلى الجانب الاجتماعي. التنقل بين المناطق أسهم في تعزيز الوعي الوطني بالتراث المشترك، وتقدير جمال التنوع الجغرافي والثقافي. فالتجارب التي ينقلها الزوار عبر منصات التواصل الاجتماعي خلقت موجة جديدة من الفضول والرغبة في الاكتشاف، وأصبحت الصور التي تُلتقط للجبال والسهول والبحار والواحات والفعاليات المتنوعة محفّزًا رئيسًا لجذب مزيد من السائحين المحليين. وفي المقابل، استفادت المدن المستقبلة من هذا النشاط بشكل كبير. فقد زادت الحركة الاقتصادية للمطاعم والمقاهي والفنادق والمتاجر، وتنامت فرص العمل الموسمية، وارتفع مستوى الوعي لدى القطاعات المحلية بأهمية التميز في الخدمة والمنافسة على جذب الزوار. كما دفعت هذه الحركة الجهات المختصة لتعزيز جودة المرافق العامة وتطوير المواقع، ما خلق حالة متبادلة من التأثير: سائح يحفّز المكان، ومكان يجذب السائح. والملاحظ في هذه الظاهرة أن "تدوير السياحة" لم يعد مقتصرًا على المدن الكبرى، بل شمل المحافظات الصغيرة التي أصبحت تقدم تجارب مختلفة، سواء من خلال هوياتها الزراعية أو الجبلية أو البحرية. مناطق كانت تُعد بعيدة عن خارطة السياحة قبل سنوات أصبحت اليوم محط اهتمام لآلاف الزوار، بفضل مهرجان موسمي أو متنزه جديد أو مشروع تراثي تمت إعادة إحيائه. إنّ هذا الحراك ليس مجرد تنقل جغرافي، بل هو جزء من رؤية كبرى تتشكل، تعيد تعريف علاقة الإنسان بمدينته ووطنه. فالسياحة الداخلية لم تعد خيارًا اضطراريًا، بل أصبحت خيارًا راقيًا وممتعًا، تُضفي على الأسرة ذكريات جميلة، وتخلق لدى الطفل صورة إيجابية عن وطن واسع التفاصيل وغني بالتنوع. ختامًا، يمكن القول إن تدوير السياحة الداخلية بات مؤشرًا حقيقيًا على نجاح الجهود الوطنية في جعل المملكة وجهة جذابة لأبنائها قبل زوارها، وأن هذا التفاعل المتبادل بين المناطق يشكل خطوة مهمة نحو صناعة سياحية متكاملة ومستدامة. فكل مدينة اليوم ترتدي ثوبها السياحي الخاص، وتقدم ما يليق بمكانتها وتاريخها، وتحفّز الآخر على الإبداع والمنافسة. إنها نهضة نعيشها ونسعد بها، ونأمل أن تكبر أكثر، ليظل وطننا لوحة متجددة لا تملّ العين من اكتشاف جمالها.