في كل مؤسسة، هناك نبض خفيّ لا تلتقطه المؤشرات ولا تراه التقارير، لكنه يُشعَر في الممرات، ويُلمَس في نبرة السلام، ويُقاس بابتسامة العاملين. ذلك النبض هو «جودة الحياة المؤسسية»؛ الفكرة التي تعيد الإنسان إلى مركز المعادلة، وتذكّرنا أن المؤسسات مهما بلغت من تنظيمٍ وهيكلة، تظل كيانًا إنسانيًا يعيش ويزدهر أو يذبل ويختنق. ليست جودة الحياة رفاهية كما يظن البعض، ولا ترفًا إداريًا تُمارسه المؤسسات المتخمة بالموارد، بل هي منهج إدارة للحياة داخل جدران العمل. فحين يجد الموظف ذاته في بيئة تُقدّره، وتُسمِعه، وتفتح له مساحة للنمو، يصبح العطاء عادةً لا مهمة، والإبداع طبعًا لا تكليفًا. وهنا فقط، تبدأ المؤسسة بالتحول من كيانٍ وظيفي إلى منظومة حياة. في فلسفة «جودة الحياة المؤسسية»، لا نسأل: كم أنجزنا من الأهداف؟ بل نسأل قبلها: بأي روح أنجزناها؟ فالقيمة ليست في عدد التقارير، بل في أثرها على من كتبها، ولا في زمن الإنجاز، بل في راحة من أنجز. إنها فلسفة تعيد ترتيب الأولويات: من العمل لأجل العمل، إلى العمل لأجل الإنسان الذي يعمل. الإدارة الواعية اليوم لم تعد تبحث عن الولاء في عقود التوظيف، بل في قلوب الناس. ولذلك فإن جودة الحياة المؤسسية ليست شعارًا، بل إطار إداري شامل ينسج العلاقة بين الأداء والرفاه. فهي توازن بين إنتاج المؤسسة وسعادة العاملين، بين صرامة اللوائح ومرونة التعامل، بين هدف المؤسسة وحلم الإنسان الذي يقف خلف الهدف. تبدأ الخطوة الأولى عندما تضع القيادة معيارًا بسيطًا أمام كل قرار: «هل يُسهم هذا الإجراء في تحسين حياة من يعمل هنا؟» فإذا كانت الإجابة نعم، فإن النتيجة حتمًا ستكون مؤسسة تنبض بالحياة، لا تستهلك طاقة موظفيها، بل تغذيهم بالأمل، وتُشعرهم أن النجاح ليس فقط في نهاية الشهر، بل في كل صباح يدخلون فيه بأريحية وكرامة. جودة الحياة المؤسسية ليست مسؤولية إدارة الموارد البشرية وحدها، بل مسؤولية كل قائد وكل زميل وكل تفصيلة في المكان. هي في طريقة الترحيب، وفي أسلوب التواصل، وفي ثقافة «نحن» بدل «أنا». وهي في أن يشعر الفرد أن صوته مسموع، وأنه شريك في رسم الطريق لا مجرد رقم في الحضور والانصراف. عندما ننجح في تحقيق ذلك، تصبح المؤسسة بيتًا ثانيًا لا مجرد مقرّ عمل، ويصبح الانتماء اختيارًا داخليًا لا التزامًا وظيفيًا. وحينها فقط، تتحقق المعادلة الذهبية التي يؤكدها كتابي «جودة الحياة المؤسسية»: السعادة × الكفاءة = الاستدامة المؤسسية.