يقول أحد أشهر الكتاب العرب (ميخائيل نعيمة) في كتابه الشهير (سبعون.. حكايةُ عُمْر) يقول عن شهرة الكتابة: (أما الشهرة فقد كان لها في أول عهدي بالكتابة مركز الموجه الأول، والقائد الأعلى في حياتي، ولا عجب فمنذ وعيت نفسي والطموح إلى التفوق على أقراني يلازمني بشغفٍ عنيف.. عندما بدأت أكتب كنت أتلقّف بشوقٍ ولهفة كلَّ كلمة تقدير وإطراء تسمعها أذني، أو تقع عليها عيني في الصحف...) هذا القول قد يبدو مقنعاً وصحيحاً إلى حدّ بعيد؛ حين كان للقلم صولته وجولته، وحين كان للكتاب والمقال أثره وتأثيره الجماهيري، فخلال عقودٍ مضت كانت ولادة الكاتب وظهور أعماله للقراء بمثابة الغاية العظمى، والهدف المنشود الأغلى؛ إذ كانت هذه المكانة تستقطب آلاف وربما ملايين الجماهير، فما الذي يمكن أن يفعله الإنسان اليوم إذا كان مهووساً بالشهرة وتجتاحه رغبة عارمة بضرورة الظهور اليوميّ لاستقطاب أكبر قدر من المهتمين والمتابعين؟ خصوصاً حين تدخل الأرباح المادية محركاً قوياً لتحريض أحدنا نحو الشهرة وفضول الظهور،؟ أظن ميادين الشهرة الآن ومنابرها الافتراضية تغيّرت تماماً في الشكل والمضمون، فلم يعد للقلم ولا للكتابة ذلك السحر وتلك الجاذبية؛ إذ توجهت اهتمامات الناس إلى المشاهد والمقاطع المرئية، والمسموعة، ولذا فليس من الغرابة بمكان أن تصبح وسائل (السوشل ميديا) هي القناة المفضلة لتي تستهوي الملايين، ومن الطبيعي أن تكون في نفس الوقت هي الوسيلة الأفضل للوصول إلى الشهرة ذاتها التي كان ينشدها الكُتَّاب في زمنٍ مضى، وما عليك اليوم سوى استغلال هذه المقاطع لتؤسس لنفسك قاعدة جماهيرية -وأنت وحظك- فربما تنمو هذه الشهرة مع الأيام ويزداد بريق الحضور، وربما تصبح خلال فترةٍ وجيزة مع بعض التقنيات والفنيّات، والأدوار الافتراضية الملعوبة محط الأنظار، وفي قلب الشهرة، ولكن ماذا عن المحتوى؟ وعن طبيعة هذه الشهرة؟ وعن رغبات الجماهير ومطالبهم واتجاهاتهم؟ ومن هو الذي سيوجه الآخر أهو الشهير، أم الجماهير؟ هناك العديد من الأسئلة الحاضرة وعلامات الاستفهام التي تهطل علينا من السماء كما تهطل أمطار هذه المقاطع، تتمركز بالدرجة الأولى حول قيمة المحتوى وأثره على المدى البعيد، وعلى وجود مستويات ثقافية جديدة لها طبيعتها وتوجهاتها الفكرية، إذ الواقع يشير إلى اختلاط الحابل بالنابل، والغث بالسمين، فأيهما يذهب جفاء، وأيهما يمكث في الأرض؟ وإذا كانت وسائل الشهرة اليوم مشرعة الأبواب أمام الجميع، وفي متناول الصغير قبل الكبير، فإن الوعي الإنسانيّ بشكلٍ عام هو الذي سيحدد قيمة هذه الشهرة فيحكم عليها: إما بالتوهج، وإما بالانطفاء، وطالما المسألة برمتها مرتبطة بالوعي فلنراقب هذا الوعي من خلال رغبة الجماهير، هل تسير نحو التفاهة والمستوى الهابط؟ أم تبحث عن الجودة والقيمة السامية؟ يبقى السؤال معلقاً وستنبئنا الأيام القادمة عما نجهله اليوم، لأن التحولات الثقافية والاجتماعية لا تحدث بين ليلةٍ وضحاها، بل هي مرهونةٌ بعامل الزمن ودورته التي تفعل الأفاعيل، ولا يدرك ذلك، أو يهتم به إلا المراقبين للمشهد من خارج الميدان ذاته، أما المنهمكين في شهوة الشهرة، والغارقين في بريق غوايتها، فلن يكون بوسعهم إدراك هذا الأثر لأنهم باختصار أدوات هذه الشهرة، ووقود استمرارها، فلو لم تكن الجماهير، لما كان المشاهير.