* احتزم جنبيته، تلمّس بأصابعه أطرافها المفضّضة، ليوزنها على وسطه، شدّ عقاله على رأسه، لمح شَتْفة المرآة الموضوعة فوق لوح خشبي مُثبّت على جبين الزافر، تأكد أن وجهه يباشر العراضة بشنب كثٍّ ولحيةٍ مهذّبة تملأ عارضيه، وبهجةٍ طاغية. بخطواتٍ عجلى نهب السلّم الحجري متجهًا إلى باحة السوق، صفّ العراضة على شكل القوس الكبير، يرقصون بانتشاء على صوت زيرٍ يملأ الآذان وينتشر في فضاء المكان، وشاعرٌ يقف كشجرة عرعر في وسط الميدان يستلهم قصائده من متون خبراته السابقة ومهاراته في سبك محاريف القصيدة، ومطارحاته مع الشعراء الآخرين، يُدَوْزن الشَّقَر بإحكام، ويختار أجمل الكلمات، غدت قصائده كسلسلةٍ فضيةٍ مشعّةٍ، تتناهبها قلوب العذارى. أنشد الشاعر بصوته الرخيم: يا لوز جافان الأخضر كنت ضامي وأش أرواك.. لم يكن اللوز وحده حاضرًا، بل المعنى في بطن الشاعر، اللوز الأخضر أصبح راويًا ومنتشيًا كانتشاء الأجساد التي ما إن وقع معنى القصيدة حتى راحت في حلمٍ لذيذ، لتهتزّ الأطراف وتدقّ الأقدام الأرض، وترتفع الحناجر بآهاتٍ ساخنة: يا لوز.. يا لوز. هنا انضمّ سالم إلى صفوف العرضة، رافعًا جنبيته المرهفة إلى السماء ويهبط بها مع ثني جذعه في حركةٍ احترافية، فيما كان محزم يراقب دقة حركة الأقدام وتوافقها وانتظامها مع صوت الزير واللحن، ويلتفّ في حركةٍ دائرية كنمرٍ جبليٍّ ليشاهد كامل صف العرضة، ويقفز قفزاتٍ متتالية مع ارتخاء جسده تارة وارتفاعه تارةً أخرى. توقّف ضرب الزير ليكمل الشاعر: يقول جار الله: يا وجه القمر وابتسامه مع سهيل اليماني زاد نورك وبهواك يردّد سالم: أها.. أها يا وجه القمر وابتسامة.. يا وجه القمر وابتسامة. فاضت مشاعر المشاركين وزاد نشاطهم، دقّوا الأرض بأقدامهم ورفعوا السيوف والجنابي، وكأنهم في حربٍ معلنة، حركةٌ جماعية وتوافقٌ وانسجام، قوةٌ خفية تدفعهم نحو سرٍّ لم يستطيعوا فك رموزه، إلا أنها لحظاتُ انتشاءٍ وانشراح. صوت الزير يحمل في ثناياه طربًا ساحرًا، والقمر ينثر شلال ضوئه في أرجاء المكان، وأحجار المنازل تكاد ترقص مع الإيقاع، وعيونٌ جميلة ترقب المشهد من نوافذ مفتوحةٍ وبعيدة، والشاعر تفيض قريحته ليلقي قصائده المنعشة للروح والحب والحياة. امرأةٌ صابها الشجن وهزّها الطرب لتدخل المعراض، وكأنها شجرة لوزٍ مثمرة تضجّ برائحة الحياة، وألقت القصيد لتتناهبها الألسن والحناجر، واستمرت تلقي القصيد في مشهدٍ فاتن. وتحوّلت العرضة إلى غيمةٍ جنوبيةٍ تهلّ بالمطر، ونهرٍ من ضياءٍ ونسائم عطر، لتعود بهم إلى روح الشباب، احتفلوا بذواتهم متحرّرين من كلّ المتاعب، وكأن العرضة جاءت لتغسل أرواحهم وأجسادهم. ما إن هبط القمر خلف الجبال، وساد الظلام حتى اكتفى العرّاضة برحيق النشوة ومفاتن الرقص، ليعودوا إلى منازلهم وقد تشربت أرواحهم بالجمال، وسكنت أجسادهم السكينة. بقي سالم وحده ينتظر حلمًا لذيذًا يراوده كل مساء، أطياف الظلام تلهب مشاعره، المكان قد خَلا تمامًا، وأقدام سالم المنهكة تحرّكه نحو منزلٍ يتسنّم جبلًا أشمّ يحرس القرية من جهة الشمال، وأثناء سيره المتثاقل تتقافز الكلمات على رأس لسانه لتكتمل القصيدة. تمنى لو جاءت القصيدة وهو في وسط المعراض، إلا أن طيف الجان جاء متأخرًا، وراح يُنشد بصوتٍ خفيض: يا عذق كاذي حياة الروح من بين لثما يا سندسٍ أخضر هني الله لكف طواله واستمر يقول: راعي حجاب كما ريش النعام المظاليل والصدر زهر وغطّت عالنهود الجدايل هطل الظلام وسكن الليل، وبقيت طوالع النجوم ترقب، وأصواتٌ متقطعة لجنادب الليل تشقّ هدأة الليل، القرية غفت، عدا قلبٍ ينبض كشابٍّ عشريني، يتذكّر امرأةً سكنت وجدانه وملأت غرف قلبه وفراغ بيته، ورحلت عنه منذ زمن بعيد لمرضٍ لم يمهلها طويلاً. وبقي سالم لسنواتٍ طوال حبيس جدران البيت، وأحلامٍ تتواتر عليه كل مساء، صوت الزير يخفف عنه وطأة الشجن، ليغسل الرقص الجماعي متاعبه ويمسح أحزانه التي تكلست في عظامه، مؤملاً في عذق كاذي يعيد الحيوية لرجلٍ ستيني. *من مجموعة شدو الجبل