في الوقت الذي يعمق فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب فوضى النظام الاقتصادي العالمي بحروبه التجارية، وفوضى النظام الدولي بإثارة الشكوك حول قوة التزام إدارته بحلف شمال الأطلسي (الناتو) والانسحاب من المؤسسات الدولية، يشعر البعض بقلق كبير من أن تقود هذه التحركات إلى انهيار النظام العالمي، خاصة في ظل الوتيرة المتسارعة لقرارات ترمب المناوئة لقواعد النظام العالمي القائم. وفي حين ظل الكثير من الليبراليين الدوليين يقولون إن هيمنة الولاياتالمتحدة ستصمد وإن النظام العالمي الذي بنته، على حد تعبير الأستاذ جون إيكينبيري من جامعة برينستون، "سيبقى ويزدهر"، وسيُسيطر حتى على منافسيه، مثل الصين، تأتي رئاسة ترمب الثانية لتقدم دعما هائلا للحجة القائلة إنه لا يدمر النظام الليبرالي فحسب، بل يدمر مفهوم النظام العالمي نفسه، لكن البروفيسور أميتاف أشاريا الأستاذ في الجامعة الأميركية بواشنطن يرى أنه سيكون من الخطأ النظر إلى هذه القضية بهذا التطرف. ويقول أشاريا في تحليل نشره موقع المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس) البريطاني إن انسحاب الولاياتالمتحدة من دورها الدولي لن يؤدي إلى انهيار عالمي وإنما إلى قيام نظام عالمي جديد متعدد الأقطار، مع عودة العولمة بنسخة جديدة تقودها دول آسيا والجنوب العالمي. ويرى أشاريا أن ترمب لم يخلق أزمة النظام العالمي الحالي، وإنما فقط جاء كعامل محفز لتسريع تقويض هذا النظام القديم بالفعل، غير أن أي نظام جديد ينبثق من الأزمة الحالية سيحتفظ ببعض سمات النظام القديم. في الوقت نفسه فإن العولمة لن تختفي، بل تتخذ منعطفًا شرقيا جديدا. كانت الأشكال التقليدية للحوكمة العالمية تتآكل بالفعل، في حين تظهر أشكال جديدة منها ستصبح أكثر بروزا في حقبة ما بعد ترمب. ومع ذلك، فإن الحوكمة العالمية لن تختفي أو تتغير جذريا. ويقول أشاريا الأميركي من أصل هندي إن افتراض اعتماد مصير النظام العالمي على الهيمنة الأميركية والغربية العالمية، غير صحيح لآن العديد من الأفكار الرئيسية التي يقوم عليها هذا النظام والقواعد والمؤسسات التي تدعمه انبثقت من مجموعة من الدول والمناطق، وليس فقط من الغرب كما أن هذا النظام تطور وطور العديد من عناصره التأسيسية والتقدمية مثل الانفتاح الاقتصادي والتعاون الدولي والقيم الإنسانية بقيادة فاعلة تتجاوز الغرب. وإذا كانت المساهمات الغربية في النظام العالمي بالغة الأهمية، فإن مساهمات دول الجنوب العالمي لا تقل أهمية. فهذه الدول إلى جانب دول أكبر كالهند وجنوب أفريقيا وإندونيسيا، ساهمت في إرساء دعائم المعايير والمؤسسات التي تشكل جوهر النظام العالمي وحافظت عليها. على سبيل المثال، أدانت غالبية دول الجنوب العالمي الغزو الروسي لأوكرانيا، رغم امتناع الصين والهند عن التصويت لصالح بيانات الإدانة، كما كانت دول الجنوب العالمي أكثر صراحة من الدول الغربية في إدانة ما تفعله إسرائيل في قطاع غزة، والذي أصبح بصورة متزايدة يعتبر "إبادة جماعية". ويطرح أشاريا تصورا للنظام العالمي الناشئ يتمثل في التعددية، التي تتميز بثلاث سمات مميزة. السمة الأولى هي أنه لن تسيطر دولة واحدة، أو مجموعة قوى، على العالم. فإذا كان من المرجح أن تظل الولاياتالمتحدة الدولة الأقوى، لا سيما عسكريًا وماليًا وتكنولوجيًا. سوف تبرز الصين على صعيد التنمية والتجارة، إن لم يكن في القوة المالية. كما سيظل الاتحاد الأوروبي قوة في تنظيم التجارة والتهديدات البيئية. ويمكن للقوى الإقليمية، التي تعمل من خلال هيئات إقليمية، مثل إندونيسيا في رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) وجنوب أفريقيا في الاتحاد الأفريقي، أن تصبح أكثر أهمية في إدارة الشؤون السياسية والأمنية والتجارية. ولا يقتصر هذا بالضرورة على أعضاء مجموعة البريكس، بل يشمل دولًا مثل المكسيك ونيجيريا وتركيا. ثاني السمات هي أن القوة والتحالفات في عالم متعدد، لن تكون مطلقة وإنما محددة بالقضايا والوقت. وستتجنب الدول التحالفات الجامدة وبدلاً من ذلك "تتحوط" أو تتجنب الانحياز إلى أي طرف في منافسات القوى العظمى. وكما لاحظت المحللة الماليزية إلينا نور حول رد فعل جنوب شرق آسيا على التنافس بين الولاياتالمتحدةوالصين، فقد تفضل الدول إحدى القوتين في قضية معينة في لحظة معينة ولكنها ستظل تتمتع بعلاقات قوية مع القوة الأخرى في مجالات مختلفة وإن كانت ذات صلة في بعض الأحيان. على سبيل المثال، قد تتلقى الدول مساعدات اقتصادية واستثمارات في البنية التحتية من الصين ولكنها تتطلع إلى الولاياتالمتحدة وحلفائها من أجل الأمن. سينمو الاتجاه نحو سياسة خارجية أكثر حيادية. لهذا السبب، لا أعتقد أن فكرة عودة مجال نفوذ القوى العظمى مازالت ذات مصداقية. ثالث السمات وأخرها هي أنه لن تقود أي دولة بمفردها العالم في كل مجالات القضايا. على سبيل المثال، كما ذكرنا سابقًا، بينما قد تحتفظ الولاياتالمتحدة بحلفاء أمنيين، فقد تهيمن الصين كشريك تجاري على المسرح العالمي؛ ويمكن للاتحاد الأوروبي تشكيل قواعد حماية المناخ. كما أن دول الجنوب العالمي ستحصل على الدعم الأمني والاقتصادي والتكنولوجي والصحي من مجموعة متنوعة من الشركاء كل فيما يتفوق فيه. وبذلك، قد يتمكن الجنوب العالمي من ممارسة دور أكبر في تحديد ما يحصل عليه وكيفية الحصول عليه. كما أن النظام العالمي الجديد التعددي ينهي فكرة تقسيم العالم إلى الغرب، والآخرين. لقد وجه ترمب ضربة قوية، وربما قاتلة، لفكرة الغرب بتشكيكه في حلف الناتو، وكذلك بفرضه "رسومًا جمركية بالمثل" على أصدقاء الولاياتالمتحدة ومنافسيها على حدٍ سواء. وكما قالت أورسولا فون دير لاين، رئيسة المفوضية الأوروبية، في أبريل : "لم يعد الغرب كما عرفناه موجودًا". هذا التطور ليس سيئا للنظام العالمي، بل على العكس فهو يفتح آفاقا جديدة للتعاون تتجاوز الانقسام بين الغرب وبقية العالم. كما ستصبح المجموعات الغربية المغلقة، مثل مجموعة الدول الصناعية السبع، عتيقة، إن لم تكن منقرضة، ما لم تتوسع وتتكيف مع تطورات المشهد العالمي. و هذا لا يعني أن مجموعات الدول غير الغربية، مثل مجموعة البريكس التي تم الترويج لها كثيرا، ستتولى زمام التعددية. ففي حين أن كتلة البريكس تتمتع بأهمية رمزية، إلا أن هناك منافسات داخلية بين أعضائها مثل المنافسة بين الصين والهند، والانحراف المحتمل لإندونيسيا ومصر عن أجندة الصين. وإذا كان ترمب يستطيع حاليا إجبار الدول على إبرام اتفاقيات تجارية ثنائية تعطي الولاياتالمتحدة مزايا نسبية، ستظل الترتيبات الثنائية والإقليمية الصغيرة للدول قائمة. وغالبا ما تكون هذه الترتيبات التي ينأى عنها ترمب، مكملة للتعاون الدولي متعدد الأطراف. في الوقت نفسه لا يوجد ما يدعو إلى تصور تراجع احتمالية بقاء معايير التعددية والمعاملة بالمثل والمساعدة الإنسانية وحماية البيئة، حتى وإن ضعفت، مع إمكانية إحيائها وتعزيزها مرة أخرى بعد مغادرة ترمب البيت الأبيض. وقد ينتقل التعاون الدولي إلى نمط "العالم ناقص واحد"، بحيث تتعدد الاتفاقيات والمؤسسات متعددة الأطراف دون مشاركة الولاياتالمتحدة، مع ترك الباب مفتوحًا لعودتها بعد ترمب. كما أن الترامبية بما تمثله من تهديد لمصالح وثوابت الدول الغربية نفسها، قد تشجع هذه الدول على البحث عن المزيد من الشركاء التجاريين في الجنوب العالمي، كما حدث في اتفاقية التجارة الحرة بين بريطانيا والهند مؤخرا، ومساعي الاتحاد الأوروبي للدخول في اتفاقيات تجارية مع دول الجنوب العالمي. أخيرا، وفي ظل الصورة القاتمة التي تخيم على جزء كبير من التفكير في النظام العالمي اليوم، من المفيد إدراك أن هذا النظام لا يتلاشى وإنما يتغير. وإذا لم يتعرض العالم لكارثة نووية، فسيظهر نظام دولي جديد على حساب النظام القديم، مع اختلافات جوهرية لتصحيح عيوبه، والاحتفاظ بإيجابياته. لذا لا ينبغي الاستسلام للتوقعات التي تقول إن النظام العالمي سينهار لأن الولاياتالمتحدة قد خرجت عن مسارها. لأن الواقع عكس ذلك، ففي مواجهة قوى الاضطراب والفوضى، هناك أيضا قوى الاستمرارية والتوافق، واستكشاف الإمكانيات ، وبالتالي فإن تراجع الغرب لن يعني تفكك النظام العالمي وإنما يعني صعود الآخرين في العالم.