يعد التبرع بالدم إجراء طبي، وفعل إنساني خالص، وقرار فردي بتقديم الدعم لشركاء الحياة، وفي الوقت نفسه يختصر معاني القرب والتراحم في أسمى صورها، ليُعيد للجسد قوة، وللروح أملاً، إنها فلسفة متجذّرة في روح المجتمع السعودي، تحوّلها رؤية قيادتنا اليوم إلى مشروع وطنيّ شامل، يهدف إلى بناء مجتمع أكثر صحة وتكافلاً، ويترجم قيم العطاء إلى واقع ملموس، ولطالما كان العطاء جزءاً لا يتجزأ من الموروث الثقافي للمملكة وشعبها، الذي يستمد قيمه من تعاليم الدين الإسلامي الحنيف وكرم الصحراء الأصيل، لكنه اليوم ينتقل من دائرة الفردية إلى دائرة التنظيم المؤسسي، ليصبح ركيزة من ركائز الأمن الصحي الوطني، وليؤكد أن قوة الأمة تقاس أيضاً بمدى تلاحم أفرادها واستعدادهم لمد يد العون. بنوك الدم في المستشفيات السعودية وراء كل قصة إنقاذ حياة، هناك منظومة أداء متكاملة تعمل بصمت ودقة متناهية، تضمن توفير الدم الآمن والفعال في اللحظة الحاسمة، حيث تُعد بنوك الدم في المستشفيات السعودية، وعلى رأسها المراكز المرجعية الكبرى مثل مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث ومدينة الملك فهد الطبية، وغيرها من الصروح العلاجية الكبيرة في أرجاء المملكة، وبنوك الدم بها، تعد جميعها خط الدفاع الأول والأخير عن حياة آلاف المرضى الذين يواجهون حالات طارئة، أو يحتاجون إلى عمليات جراحية معقدة، أو يعانون من أمراض مزمنة مثل الثلاسيميا والهيموفيليا. هذه المراكز، التي تعمل تحت إشراف مباشر من وزارة الصحة، هي المسؤولة عن جمع الدم وفق معايير صارمة، وفحصه بأحدث التقنيات المخبرية للتأكد من خلوه من أي أمراض معدية، ثم فصل مكوناته وتخزينه في ظروف مثالية ليكون جاهزاً للاستخدام. لقد حققت المملكة تقدماً كبيراً في هذا المجال، حيث ارتفع عدد وحدات الدم التي يتم جمعها سنوياً بشكل ملحوظ بفضل تزايد الوعي المجتمعي وجهود الحملات المنظمة. إدارة مخزون الدم إن إدارة مخزون الدم تمثل تحدياً لوجستياً هائلاً، يتطلب تخطيطاً دقيقاً لتلبية الاحتياجات المتغيرة باستمرار، خاصة فيما يتعلق بالفصائل النادرة مثل "O سالب"، التي لا يمكن توفيرها إلا من خلال التبرع المنتظم. وللتغلب على هذه التحديات، تعمل بنوك الدم على مدار الساعة، وتستعين بوحدات تبرع متنقلة تجوب المدن والقرى لتقريب الخدمة من المتبرعين المحتملين، مما يؤكد أن المملكة تعتبر صحة مواطنيها والمقيمين على أرضها أولوية قصوى. ثقافة التبرع واجب مجتمعي لم يعد التبرع بالدم مجرد استجابة لحالة طارئة، أو فعلاً يقوم به الأقارب فقط عند الحاجة، فالمجتمع السعودي يمرّ اليوم بتحوّل عميق، يرى في التبرع الطوعي المنتظم ركيزة أساسية لضمان وجود مخزون دم كافٍ وآمن في كل الأوقات، فهذه الثقافة الجديدة لم تنشأ من فراغ، بل هي نتاج جهود حثيثة لرفع الوعي الصحي، وتعزيز قيم المواطنة المسؤولة. إن عملية بناء ثقافة التبرع الطوعي تعتمد على عدة محاور: أولها، التعليم والتوعية في المدارس والجامعات، لغرس أهمية التبرع منذ الصغر، وثانيها، دور المؤسسات الكبرى، سواء الحكومية أو الخاصة، في تشجيع موظفيها على المشاركة في حملات التبرع، وتسهيل الإجراءات لهم، فشركات عملاقة مثل أرامكو أو سابك وغيرها من الشركات والمؤسسات الكبرى غالباً ما تنظم حملات دورية ضمن برامج مسؤوليتها الاجتماعية، مما يعطي التبرع بعداً مؤسسياً هاماً، إضافة للمؤسسات الفردية. الفعل الخيري.. قصة ملهمة أما المحور الثالث فهو استخدام الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي في نشر قصص النجاح، وتسليط الضوء على تجارب المتبرعين، مما يحول الفعل الخيري إلى قصة ملهمة تحفز الآخرين على المشاركة. إن هذا التحول يعكس وعياً مجتمعياً متزايداً بأن صحة الفرد هي جزء لا يتجزأ من صحة المجتمع ككل، فالمتبرع لا يمنح قطرة دم فقط، بل يمنح أيضاً شعوراً عميقاً بالرضا النفسي، والانتماء إلى مجتمع متراحم، يجد في العطاء أعلى درجات السعادة والإنجاز، إنه شعور لا يُقدّر بثمن، يجسد المعنى الحقيقي للتكافل الاجتماعي. مبادرة ولي العهد رؤية تعزيز للتكافل الاجتماعي تتويجاً لهذه المسيرة الإنسانية والمؤسسية، جاءت مبادرة صاحب السمو الملكي ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان -يحفظه الله- لتأخذ التبرع بالدم إلى بُعد جديد، وتحوّله من سلوك فردي إلى استراتيجية وطنية. هذه المبادرة لا تهدف فقط إلى زيادة عدد المتبرعين، بل إلى بناء منظومة متكاملة تضمن استدامة المخزون الوطني للدم، وتعزز من روح الانتماء والمشاركة المجتمعية. إنها رؤية تستند إلى مبادئ رؤية 2030، الهادفة إلى بناء مجتمع حيوي، تكتمل فيه الصحة الجسدية بالصحة الاجتماعية والنفسية. تهدف المبادرة إلى إحداث نقلة نوعية في ثقافة التبرع، من خلال عدة محاور استراتيجية، تتمثل في التكامل التقني، عبر إنشاء منصة وطنية موحدة للتبرع بالدم، تسمح للمتبرعين بتسجيل بياناتهم، وتحديد مواعيد التبرع، وتلقي التنبيهات حول الحاجة الملحة لفصائل دم معينة، مما يضمن التنسيق الفعال بين بنوك الدم والمتبرعين. وبرامج التحفيز والتقدير: إطلاق برامج لتكريم المتبرعين المنتظمين، وربما منحهم مزايا صحية أو اجتماعية، لتعزيز فكرة أنهم شركاء أساسيون في الأمن الصحي للمملكة، وهذا التقدير ليس مجرد لفتة، بل هو اعتراف بقيمة العطاء وتأثيره على المجتمع. الدمج في الخطط الوطنية: إدراج التبرع بالدم ضمن مؤشرات الأداء الرئيسة للجهات الحكومية والخاصة، وتشجيعها على تنظيم حملات دورية، مما يضمن استمرارية العطاء وجعله جزءاً من الروتين السنوي للشركات والمؤسسات. التركيز على البحث والتطوير: دعم الأبحاث العلمية في مجال أمراض الدم، وتحسين طرق جمع وتخزين الدم، مما يعزز من كفاءة المنظومة ككل. دعوة للنبض المشترك إن التبرع بالدم في المملكة اليوم، ليس مجرد فعل، بل هو رسالة حب ووفاء، يشارك فيها القائد والمواطن، والمقيم والزائر. إنها قصة مجتمع يدرك أن قوّتها الحقيقية تكمن في تآزره، وأن أغلى ما يملكه الإنسان هو القدرة على إنقاذ حياة إنسان آخر، فلقد تحولت قطرة الدم من رمز للتكافل الفردي إلى تجسيد حي لمشروع وطني شامل، يحمل في طياته رؤية لمستقبل أكثر إشراقاً، تُبنى فيه الصحة على أساس من العطاء والتراحم. إننا أمام فرصة تاريخية للمشاركة في بناء هذا المستقبل، فكل قطرة دم تُمنح هي استثمار في صحتنا جميعاً، وشهادة على أن الإنسانية حية، وقادرة على صنع المعجزات. حملات التبرع بالدم تتواصل في مختلف الأوقات والظروف مشاركة نسائية واسعة للتبرع بالدم جميع القطاعات تشارك في نشر ثقافة التبرع