إن العمل الإعلامي أمر في غاية الأهمية من حيث انتقاء المادة بالحرف والجملة، وهذا قد يتطلب إضافة إلى إخراج متمكن، يحتاج إلى مراقب للمادة لغويًا واجتماعيًا بما يناسب كل الأعمار والأجناس من الجماهير والمتابعين، وهذا حتمًا لا ينافي حرية الطرح والرأي، بل يعد أساسًا في تنظيم العمل الإبداعي والإعلامي.. نسمع ونرى كثيرًا من الإعلانات التجارية لمنتجات متعددة الاستعمال، ولا شك أن ذلك يعد تميزًا للمنتج، ومختصرًا وميسرًا للمستهلك، من حيث التكلفة والوقت وأيضًا الحيز من المكان الذي يوفره، لكننا لن نناقش هذا "الكل" وسنطرح موضوعًا مشابهًا من حيث الاسم لكنه يختلف من حيث الواقع، ذلك هو محاولة بعض المبدعين والمدّعين الاستحواذ على ما يمكن أن يكون إبداعًا مستقلًا لغيرهم، وهم بذلك يئِدون عقولاً وأفكارًا وإبداعاتٍ مستغلين لذلك قدرتهم على مباشرة الجماهير بأسلوب وبآخر. في سبعينات وثمانينات القرن المنصرم كنا شهودًا لكثير من مواد الإعلام آنذاك، وكانت ثقافة الإعلام مرتبطة بالمجتمع بكل فئاته العمرية والجنسية، وكنا نسمع ونقرأ أسماء لمعت في عالم الإبداع، فمثلاً كان عالم الإخراج مسلكًا مستقلاً عن سائر الفنون، وكان المخرج "فلان" اسمه أشهر من نار على علم، لكن لم تكن الناس تعرف صورته، مع إمكانية ذلك في التلفاز والمجلات والصحف، ولكنهم لم يفعلوا، ولم يكن ذلك الإعراض منهم عجزًا عن الظهور، ولكن كان يوجد آنذاك احترام الموهبة وحدها بحدودها، فقد يوجد من يستطيع أن يكون مخرجًا وأن يكون في الوقت نفسه منفّذًا ومنتجًا ومصورًا ومعلنًا تجاريًا، كما هو الحاصل اليوم في كثير من أبواب الإبداع الإعلامي، صحيح، قد تكون النقلة الحديثة من الأجهزة والإلكترونيات، في عالم التكنولوجيا اختصرت كثيرًا من تكاليف "الماضي" لإنتاج عمل إبداعي، ولكن لا يعني ذلك أن نزيح كل التخصصات التي من شأنها أن تجعل العمل متكاملاً في تفاصيله، حتى وإن توسعت تكاليف العمل شيئًا ما، إلا أن هذا هو سبيل النجاح، وسبيل إتاحة الفرصة لكل المبدعين في كل المجالات وسبيل إثراء المجتمعات بالثقافة. في هذه الأيام قد يستطيع أحدنا أن يجلس على كرسيه، ويفتح حاسوبه أو هاتفه، ويضع خلفه "لونًا" أخضر يتيح له أن يصور نفسه في أي بلدة شاء، ثم يلمس بأنامله عددًا من الأيقونات ليجد أمامه "استديوهات "متكاملة، ليصمم ويسجل ويتكلم ويراجع وينشر متجاوزًا بذلك كل أبجديات الإبداع التي هي تكاملية، فلولا وجود هذا "الجهاز" الصغير الذي اختزل له كل مجهودات الآخرين من مناظر وتصوير وأصوات ليظهر أنها عملاً من أعماله، فلولا ذلك لاحتاج إلى عشرات الفنيين لإخراج عملٍ فنيٍّ أو إبداعيٍ أو حتى إخباريّ متكامل، ولوجود هذا الخلل والجرأة على إخراج الأعمال الإعلامية نرى تلك الأكوام من اللقطات والمقاطع والمنشورات المكدسة، التي ربما أضرت من حيث أراد صاحبها الشهرة وإضحاك الآخرين. إن العمل الإعلامي أمر في غاية الأهمية من حيث انتقاء المادة بالحرف والجملة، وهذا قد يتطلب إضافة إلى إخراج متمكن، يحتاج إلى مراقب للمادة لغويًا واجتماعيًا بما يناسب كل الأعمار والأجناس من الجماهير والمتابعين، وهذا حتمًا لا ينافي حرية الطرح والرأي، بل يعد أساسًا في تنظيم العمل الإبداعي والإعلامي، حتى لا تصير الوسيلة الأرقى في نشر الثقافات وسيلة مبتذلة، يتداولها غير أهلها، فإن من الناس من لا يصلح إلا مثقفًا متلقيًا، وآخر يناسبه الإخراج، ولا يصلح للتأليف، وذاك يصلح أن يكون شاعرًا ولا يكون مغنيًا بحال من الأحوال، وتلك تصلح أن تكون منتجةً لعمل ما ولا يناسبها التنفيذ، وهكذا يتوزع العمل التكاملي على أعضاء فريقه بحسب دراساتهم وأكاديميتهم، فقد أنشئت للثقافات والإبداعات والإعلام المدارس والمعاهد والجامعات، ويتخرج من تلك المنابر مئات بل آلاف المؤهلين والمبدعين، الذين يتحينون فرصهم في الحياة لرفد الثقافة والإعلام والإبداع، ولكن حين يصبح "فلان من الناس" مستحوذًا وقاطعًا للطريق أمام أهل الخبرات والتخصصات ليكون علامة تجارية لنفسه "الكل في واحد" ويخرج بعمل فني إعلاميّ غير مُراجع ولا مخدوم ستكون النتيجة ابتذال ما حقه أن يُحترم، فلا جرم أن سيصيح الناس من مشاهير أشهرتهم التفاهة في الطرح والمحتوى. هذا، والله من وراء القصد.