ونحن في خضم هذه المعركة مع جائحة كورونا أتذكر مقولة رام ايمانويل "لا تترك أزمة خطيرة تذهب سدى"، الفرص التي توفرها الكوارث كثيرة، هناك من يغرق في محاولات تقليل الضرر ولكن هناك من يحول الضرر إلى منافع كبيرة، ونحن في هذا البلد المعطاء لدينا الكثير من الرواد والمبتكرين.. حان وقتهم الآن. بداية، أشعر بالكثير من الامتنان للأداء الحكومي خلال هذه الأزمة، تضافر الجهود بين كل الجهات المعنية يدعو إلى الفخر، سعدت مثل غيري بحُزم الدعم التي قدمتها الحكومة حرصا منها على تقليل الأضرار الاقتصادية وتخفيف الضغوط على منشآت القطاع الخاص، وعلى الرغم من أهمية وأساسية الدعم الذي قُدم إلا أني أشعر أن هناك فرصة عظيمة لوطننا، إذا انتهزنا الفرصة، يمكننا أن نقطع شوطا تنمويا كبيرا لم يكن ليحدث من دون هذه الأزمة، وإليكم ملخصا من ثلاثة مقترحات: أولا: دعم استحداث منشآت جديدة صناعية وخدمية وذلك بتوفير تمويلات على شكل قروض أو رأس مال جريء (بشروط ميسرة وأعني بأقل ضمانات وتكلفة وفي أقصر مدة ممكنة)، تتميز المشروعات التي ستنشأ في هذا الوقت بميزتين، اعتمادها المكثف على التقنية (وبالتالي عمالة أقل) وتوظيف السعوديين لتعذر الاستقدام، هاتان الميزتان كافيتان لتوجيه حزم الدعم إلى هذا القطاع، سينجح واحد من كل عشرين مشروعا، ولكن سيكون الناجح متفوقا تقنيا وبأغلبية من الموظفين السعوديين، قد تبدو هذه الفكرة غير عملية بالنظر إلى القيود الموضوعة على حركة الناس، ولكن الحقيقة أن المراحل الأولى من الإنشاء يمكنها أن تكون بالحد الأدنى من الحركة، يجب أن نتذكر أننا مستخدمون جيدون للإنترنت (أكثر من 80 % من السكان بحسب البنك الدولي) ومتوسط الأعمار صغير (نحو 30 سنة بحسب gapminder.com)، السعودية تتمركز بتفوق من ناحية عدد المستخدمين ومتوسط الأعمار، لدينا هنا ميزة ليست للكثير من الأمم الأخرى. ثانيا: دعم التمويلات الأولية (Seed Fund) للبحث والتطوير وحضانة الابتكارات، خصوصا كل ما يتعلق بالتحديات التي نمر بها الآن، بدءا من إنتاج وتصنيع المعدات الطبية وإنتهاء ببرمجة تطبيقات الخدمات المختلفة. سنحصل على منتج ناجح من كل خمسين محاولة، ولكن سنزرع الثقة في العمل البحثي ونحدث نقلة في ثقافة الأعمال والاستثمار سيمتد أثرها إلى المستقبل، يمكن أن يكون هذا الدعم عن طريق ضمانات تقدم للمحافظ والشركات الاستثمارية أو عن طريق تمويل مباشر عبر الأذرع الحكومية الملائمة (منشآت، مدينة الملك عبدالعزيز..)، مرة أخرى بأقل الضمانات الممكنة. ثالثا: السماح للمتخصصين في القطاعات الطبية بالمساعدة في إنشاء منشآت صناعية أو خدمية وتملك الأسهم فيها شرط أن يتفرغوا لها بعد انتهاء الجائحة (أو حتى من دون أي شرط؟). سيمكننا الاستفادة القصوى من الكثير من العقول، ويمكن تطبيق هذا على باقي القطاعات خلال هذه الأزمة (الأمن والطاقة..) ربما تنتهي الأزمة ونحن قد أنشأنا نواة اقتصاد معرفي متنوع ومتماسك، ولا بأس بإعادة ترتيب الأنظمة المتعلقة بتضارب المصالح بعد مدة زمنية. هذه الأزمة سوف تكون نعمة كبرى إذا خرجنا منها بتوطين مجموعة جيدة من الصناعات وبخلق وظائف بعيدة عن منافسة العمالة قليلة التكلفة، في رأيي أن الحُزم الداعمة للاقتصاد يجب أن تركز على ماذا نريد بعد انتهاء الأزمة. الانشغال الزائد بأثر الأزمة على الكيانات القائمة لن يفيدنا كثيرا، فلنعطِ المزيد من الاهتمام للمستقبل الذي نطمح إليه، ربما يأتي وقت ونتذكر هذه السنة بشيء من الفأل والفخر، ربما ندعوها سنة النهضة.