تستضيف القاهرة في الفترة من 5 إلى 9 فبراير الجاري، الدورة الأولى من مهرجان منظمة التعاون الإسلامي تحت عنوان "أمة واحدة، وثقافات متعددة.. فلسطين في القلب"، وتشارك فيه الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وأجهزتها المختلفة، ولفيف كبير من المفكرين والمثقفين والشخصيات الاعتبارية وجمهور عريض من الدول الأعضاء، إضافة إلى تمثيل للأقليات المسلمة في الدول غير الأعضاء الذين سيشاركون في المهرجان، ويثرون فعالياته ونشاطاته، بإسهاماتهم القيمة.. في حوار خاص ل "الرياض" قال الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي الدكتور يوسف بن أحمد العثيمين، إن اختيار شعار المهرجان يعبر عن ارتباط العالم الإسلامي بقضية فلسطين، والتي تعد قضيته المركزية والمصيرية في سياق ما تواجهه الأمة من تحديات حضارية تتطلب معها وضع استراتيجية واضحة المعالم والأهداف ولي العهد يعكس نموذجاً رائعاً للإسلام المعتدل المتعايش مع الآخر والوسائل والخطط والبرامج وآليات المتابعة، كما يأتي هذا المهرجان، تجسيداً لما جاء في ميثاق المنظمة من الدعوة إلى تعزيز ودعم أواصر الأخوة بين الدول الأعضاء.. إلى نص الحوار: *بداية.. ما الهدف من مهرجان منظمة التعاون الإسلامي والموضوعات التي يتناولها؟ * تأتي المبادرة بإطلاق "مهرجان منظمة التعاون الإسلامي" كمنصة يتم من خلالها التعرض لمختلِف القضايا التي تهم العالم الإسلامي في الوقت الراهن على تنوعها سياسية، وإنسانية، واقتصادية، واجتماعية، للعمل على الإسهام في معالجة التحديات التي تواجهنا بأساليب تخرج عن المعالجات الرسمية المألوفة وتقترب من اهتمامات عامة الناس ونخبهم، بحيث يُعَد هذا المهرجان وسيلة لطرح القضايا الراهنة والتقريب بين شعوب الدول الأعضاء، في إطار فعالية متعددة الأبعاد، تربط بين الفكر والثقافة، بين السياسة والتنمية، بين العمل الإنساني والاجتماعي، وبين الفن والفولكلور، وتردم الهوة بين الأجيال، وتهدف إلى إبراز مختلف مكونات حضارات وثقافات الدول الأعضاء في المنظمة في تنوعها وثرائها بمختلِف أشكالها، سبيلاً لاستجلاء ما تزخر به بلداننا الأعضاء من ثراء وتنوع في ثقافاتها وتقاليدها وعاداتها، الأمر الذي من شأنه زيادة التبادل الثقافي فيما بينها. القضية الفلسطينية ومسلمو الروهينغا.. أكبر التحديات *تستضيف مصر الدورة الثامنة للمؤتمر الوزاري "دور المرأة في التنمية في الدول الأعضاء".. في رأيك هل ترى أن النساء والفتيات في العالم الإسلامي لا تزلن تعانين الإقصاء والتهميش؟ * يجب التوضيح بأن الدول الإسلامية الأعضاء تعمل بكل طاقتها على ألا تتعرض المرأة لأي إقصاء أو تهميش، وتطور أنظمتها وسياساتها بناء على ذلك ووفقاً لتعاليم الإسلام الحنيف الذي كرم الإنسان ذكراً أو أنثى. ولكن طبيعة بعض المجتمعات الإسلامية ونتيجة لتراكمات وممارسات خاطئة تجعل المرأة عرضة لبعض التجاوزات المرفوضة جملة وتفصيلاً. *ما استراتيجية منظمة التعاون الإسلامي في تقديم الدعم الفاعل لحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة على حدود 67 وعاصمتها القدس الشريف؟ * بكل تأكيد، تتصدر قضية فلسطينوالقدس الشريف اهتمامات منظمة التعاون الإسلامي ومبادراتها الدبلوماسية، ولا تزال على رأس قائمة أولويات أجندة أعمالها. وتعمل المنظمة في هذا الخصوص بشكل مستمر على تنسيق الجهود المشتركة تجاه تثبيت حقوق الشعب الفلسطيني والدفاع عنها وإبقائها حية وفاعلة في جميع المحافل الدولية، كما تعمل على حث المجتمع الدولي لتحمل مسؤوليته الدائمة تجاه إنهاء الاحتلال الإسرائيلي، وايجاد حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية وفقاً لقرارات الأممالمتحدة ومبادرة السلام العربية. وهي تواصل سعيها لحشد مزيد من الاعتراف الدولي بدولة فلسطين وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه المشروعة. *من خلال رؤية سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان وجهوده الدؤوبة في إبراز الصورة الحقيقية لسماحة الدين الإسلامي، كيف يدعم ذلك رسالة منظمة التعاون الإسلامي في الحوار والتعايش؟ * إن رؤية المملكة العربية السعودية 2030 التي أطلقها صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، يحفظه الله، تقوم على ثلاثة مرتكزات تتمثل في العمق العربي والإسلامي، والقوة الاستثمارية، وأهمية الموقع الجغرافي الاستراتيجي للمملكة الدولة المؤسسة لمنظمة التعاون الإسلامي والعضو فيها منذ إنشائها. وقد بدأت المملكة بالفعل في تنفيذ العديد من البرامج التي تسهم في بناء هذه الرؤية التي من بينها على سبيل المثال برامج تحقيق التوازن المالي، وإدارة المشروعات، ومراجعة الأنظمة، وقياس الأداء. ثم إن المملكة بقيادة خادم الحرمين الشريفين أطلقت مجموعة من البرامج التنفيذية الهادفة لتحقيق الرؤية التي من ضمنها برنامج تعزيز حوكمة العمل الحكومي، حيث يأتي هذا في صلب ما يهدف له ميثاق منظمة التعاون الإسلامي وبرنامج عملها اللذان يحثان الدول الأعضاء على تعزيز دعائم الحكم الرشيد. لذلك فإن الجهود الحثيثة والهادفة لسمو ولي العهد تدعم مباشرة رسالة منظمة التعاون الإسلامي في شتى القطاعات التي تضطلع بها المنظمة والتي يأتي من ضمنها الحوار والتعايش. إن الرؤية تعمل على تعزيز ثقافة الحوار بين الأديان وقبول الآخر والعيش معه على المشترك الإنساني، ومكافحة التطرف والتعصب، وطمأنة الشركاء في الإنسانية بأن الإسلام والمسلمين دعاة وسطية واعتدال وتنمية وتطلع للأفضل. *في ظل الوضع الأمني الذي تمر به بعض الدول الأعضاء.. ما الدور الذي يقوم به مركز صوت الحكمة في محاربة التطرف؟ * يضطلع مركز صوت الحكمة بمهمة المقارعة الفكرية والشرعية والعقدية لفكر التيارات المنحرفة، قناعة من المنظمة ومن المركز بأن الفكر لا يواجه إلا بالفكر، والرأي المنحرف لا يدحضه إلا الرأي السديد والقويم، وفي رأيي أن أول مستوى للتصدي لهذا الفكر المتطرف هو تكثيف المواجهة الفكرية والمحاججة ضد هذا الخطاب، وهو الأمر الذي يضطلع به مركز صوت الحكمة الذي يعمل في الوقت نفسه بالتعريف بجهود الدول الأعضاء في مكافحة التطرف والإرهاب، وهي الجهود التي لا يسلط عليها الضوء كثيراً على الرغم من أهميتها ونجاح الكثير منها في التخفيف من حدة هذه الظاهرة، والمركز الآن على أبواب نقلة نوعية في أنشطته وبرامجه، وسترون الكثير من الأنشطة والفعاليات من طرفه في قادم الأيام. *ما الهدف من إنشاء جائزة منظمة التعاون الإسلامي في المهرجان الإفريقي للسينما والتلفزيون؟ * تحرص المنظمة على القيام بدور أكثر فعالية في تطوير وتنفيذ الأنشطة الثقافية بما يتماشى مع الاستراتيجية الثقافية للعالم الإسلامي ونتائج القمة وقرارات مجلس وزراء الخارجية ذات الصلة للمساهمة في نجاح الجهود الثقافية الجماعية للدول الأعضاء والتي ستشكل عاملاً أساسياً في تحقيق أهداف المنظمة، حيث يعد دعم الإنتاج السينمائي في العالم الإسلامي أحد الجوانب المهمة لتعزيز التفاهم المتبادل وتقوية عرى التضامن والتعاون بين الدول الأعضاء، ويتماشى مشروع المهرجان السينمائي لمنظمة التعاون الإسلامي مع أحد الأهداف الرئيسة المسطرة في ميثاق المنظمة التي تنص على تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء في المجالات الاجتماعية والثقافية والإعلامية. وفي هذا السياق، يمكن أن يشكل مهرجان منظمة التعاون الإسلامي للفيلم، من خلال عدسات التوثيق والتصوير والأقلام، جسراً ثقافياً بين الدول الأعضاء، وأن يجلب لها منافع أوسع نطاقاً في هذا القطاع، وستسهم هذه الجائزة في بناء صناعة سينمائية قوية، والنهوض بالقطاع السياحي وتشجيع الأنشطة الثقافية، والتبادل بين مهنيي صناعة السينما وإنشاء شبكات بينهم، وزيادة الوعي بالمنتجات السينمائية والتلفزيونية في الدول الأعضاء. *ما التحدي الأكبر الذي يواجهه العالم الإسلامي؟ * من أكبر التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي عدم وجود آليات فاعلة لحلّ وتسوية النزاعات في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي بأبعادها المختلفة. كما أن تعثر المجتمع الدولي على مدى عقود في إيجاد حلّ عادل للقضية الفلسطينية يلقي بأعباء كبيرة على دول المنظمة ومسؤوليات جسام تجاه قضيتهم الأولى. ومن التحديات التي يواجهها العالم الإسلامي تتمثل في الظّروف المأساوية التي تمرّ بها بعض الجماعات المسلمة، وأخص بالذكر مأساة مسلمي الروهينجيا في ميانمار. إن المحافظة على اندماج الجماعات والمجتمعات المسلمة في المجتمعات الغربية مع المحافظة على حقوقهم وواجباتهم وثقافاتهم في ظل صعود التيارات اليمينية الشعبوية وتصاعد ظاهرة الإسلاموفوبيا يعد تحدياً مصيرياً؛ بالإضافة إلى قضايا السلم والأمن، وظاهرتي الإرهاب والتطرف ومواضيع ملحّة يواجهها العالم الإسلامي مثل التنمية البشرية وتطوير رأس المال البشري وتحقيق النمو الشّامل والتنمية المستدامة في الدول الأعضاء وخاصة في أفريقيا، بالإضافة إلى التحديات السياسية والاقتصادية. *بلغ حجم المساعدات الخارجية للمملكة بين عامي 1996 و2018م نحو 84.7 مليار دولار شملت 79 دولة في العالم.. كيف ترى الدور الذي تقوم به المملكة في العمل الإنساني ودعم الأمن والاستقرار؟ * في الواقع أنت محق، وقامت المملكة وتقوم بدور مقدّر ومهم للغاية على المسرح الإنساني العالمي من خلال تقديم المساعدات في جميع أنحاء العالم. وهو ما يدل على رسوخ قناعة المملكة بأهمية العمل الإنساني وتسخير مواردها المالية للتخفيف من معاناة الإنسان. إن هذا الدعم الإنساني، الذي يواكب جهود إعادة الإعمار والتنمية في العديد من الدول، يوفر إسهاماً كبيراً في تعزيز السلم والأمن العالميين. ولقد أشاد العاملون في المجال الإنساني بالموقف الذي تتخذه دائماً المملكة عندما يتعلق الأمر بالتخفيف من معاناة الأشخاص المتضررين من الكوارث الطبيعية أو الإنسانية. وأنا شخصياً، في الحقيقة، فخور بالدور الذي قامت وتقوم به في الجانب الإنساني، لا سيما بعد تأسيس مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية في الرياض الذي أصبحت جهوده محسوسة سواء بشكل مباشر أو غير مباشر حيثما ضربت أزمة إنسانية في أي بلد أو مجتمع. ومن حسن حظ الأمانة العامة أنها تتعاون بشكل فاعل ومكثف مع مركز الملك سلمان في تقديم الدعم الإنساني في أكثر من بلد عضو.