بداية ما الإبداع؟ وما العلاقة التي تربط بين الإبداع والواقع؟ سؤالان يطرحان نفسيهما على عقولنا وتفكيرنا بإلحاح شديد، على أمل أن يجدا بين زواياهما الجواب الشافي والناجح في آن واحد.. وعندما يشتد الأمر على أنفسنا نبدأ بالتأمل.. تلبي الآداب والفنون عموماً للإنسان حاجات نفسية واجتماعية وفكرية متعددة، سواء بالتعبير عن هذه الحاجات أو خلقها. لتصبح بدورها ونتيجة لهذه الجذلية حاجة هي الأخرى، وبتعدد الأنواع الأدبية والفنية في التعبير تحصل على قائمة طويلة من فروضات شرطنا الإنساني. فللدراما مثلاً مجالها الخاص ورؤيتها في التعبير، وللشعر ميدانه المتميز وأسلوبه في الكشف والتأثير، وللقصة كذلك تطلعاتها وشروطها الموضوعية للرؤية، كما أن لفنون الرسم والنحت أساليبها ورؤاها التعبيرية المتميزة والمتفردة الخاصة، ولكننا قد لا نحصل على الطلبات نفسها من خلال رؤية النوع نفسه، فكيف بنا إذا عرفنا اختلاف ميادين الإبداع ومجالاته، وهذا التنوع في العطاء؟ في الأفق، يكسبنا أشياء متفردة.. هي في الحقيقة سؤال عن قضايا لم يجب عنها بعد، أو إجابة عن سؤال قديم، أو اكتشاف رؤيوي العام الذي ما زال يتشكل في صبغته تساؤل بعد. فالإبداع الذي هو سؤال أو خلق لإجابة أو اكتشاف لم ولن يظهر كحقيقة موضوعية أو أدبية أو فنية ما لم يرتبط بواقع الإنسان الشامل والواقع المادي والروحي والممكن منه والواقعي منه والواقعي الحلم منه.. والحقيقي ليس هذا فقط، بل لا بد أن يتم ارتباطه بالواقع وفق مفهوم جدلي، بمعنى أنه لا فراغ قبله ولا بعده، ووجوده متحقق اجتماعيا ومادياً من خلال الحاجات النفسية والفكرية التي ينتجها المجتمع.. هل هذا هو الإبداع؟ وهل استطاعت تأملاتنا وتأملات أنفسنا أن تفي بالجواب حقه، أم أننا نحلم بأشياء غير متحققة؟ المهم أن هذا هو المسار الحقيقي لحركة الإبداع في رأينا.