حين وصل ابن بطوطة إلى الهند روى عجائب وغرائب يصعب تصديقها اليوم.. ومن الغرائب التي تحدث عنها وجود طائفة (وصفهم بسحرة الهند) يملكون القدرة على العيش لأشهر طويلة بدون طعام أو شراب. وقال إن الواحد منهم قد تحفر له حفرة في الأرض يدفنه الناس فيها - على سبيل التحدي - فيقيم فيها زمناً طويلاً يقارب العام بدون أن يأكل شيئاً.. غير أن ابن بطوطة يعود لحس المنطق ويشير إلى أن هناك من أخبره بأن هؤلاء السحرة يصنعون حبوباً مركزة من طعام خاص تكفي الحبة منها للعيش أياماً وأسابيع (.. وهي الفكرة التي تحاول ناسا تطبيقها اليوم للتخفيف من حمولات الطعام والشراب على رحلاتها الفضائية)!! على أي حال لا يبدو أن شيئاً تغير هناك بهذا الخصوص، فهذه الأيام يعيش في الهند رجل مشعوذ يدعى (براهلاد جاني) أصبح فجأة محط أنظار الجيش الأمريكي ووكالة ناسا لعلوم الفضاء. فهذا الرجل - الذي يبلغ السبعين من عمره - يدعي أنه عاش الأربعين سنة الماضية بدون تناول أي طعام أو شراب. وحين سمع بقصته أحد الأطباء دعاه لمرافقته إلى مستشفى ستيرلينج (في مدينة أحمد أباد) للتأكد من صحة ادعائه.. وهناك وضع تحت المراقبة الدائمة في غرفة زجاجية شفافة ومنع عنه الطعام والشراب - بل وحتى الاستحمام - بشكل تام. وأمام دهشة الأطباء صمد الرجل لعشرة أيام كاملة لم يذق فيها قطرة ماء ولم يأكل خلالها كسرة خبز (وبالتالي.. لم يحتج.. للحمام)!! وما حير الأطباء فعلاً أن العلامات الحيوية لهذا المشعوذ لم تتأثر نتيجة الصيام المتواصل في حين امتنع جسده عن التعرق تماماً. ويقول مدير مستشفى ستيرلينج: لا نستطيع تأكيد ادعائه العيش 40 عاماً بلا طعام أو شراب لأننا قررنا الاكتفاء بفترة العشرة أيام بسبب سنه المتقدمة وخوفاً من أي مضاعفات محتملة! .. هذه التجربة (التي نشرتها وكالة ال BBC في اكتوبر الماضي) تذكرني بتجربة مماثلة للساحر الأمريكي ديفيد بلاين الذي بقي بلا طعام لمدة 44 يوماً. ففي الخامس من سبتمبر 2003 حشر نفسه في حقيبة ضخمة دليت من جسر «برج لندن» وبقي فيها صائماً طوال تلك الفترة. وفي البداية أثار هذا الاستعراض اهتمام الجمهور إلا أن بلاين اضطر لقطع التجربة بعد وفاة مراهق انجليزي حاول تقليده (في حين أعلنت مؤسسة غينيس للأرقام القياسية عن رفضها تسجيل هذا الرقم في طبعاتها القادمة)! .. ومن المعروف طبياً أن جسم الإنسان يستطيع العيش لأسابيع طويلة بلا غذاء (معتمداً على حرق الدهون والبروتينات المخزنة فيه) ولكنه يتعرض للوفاة في حالة امتناعه عن الشراب لأربعة أيام متواصلة كحد أقصى.. ففي عقد الثمانينيات مثلاً حدثت - في بريطانيا - حالات إضراب قياسية امتنع فيها أعضاء الجيش الايرلندي عن الطعام وحده، فهناك مثلاً بوبي ساندس الذي صمد لمدة 66 يوماً، وجون ساكس الذي مات بعد 69 يوماً، ولورنس ماكوين الذي أُجبر على تناول الطعام بعد 70 يوماً (وما زال صاحب الرقم القياسي في هذا المجال).. وحينها أثارت حالات الإضراب هذه انتباه الجيوش الغربية التي تبحث باستمرار عن طرق مبتكرة للتخفيف من حجم الطعام في ساحات القتال (لعل أبسطها حمل كبسولات غذائية مجففة أزيل 90٪ من حجم السوائل فيها). كما أثارت اهتمام وكالات الفضاء الدولية التي - كما قلنا سابقاً - تسعى دائماً لتخفيض وزن الأغذية والسوائل في رحلاتها الطويلة!! .. بقي أن أُشير إلى قناعتي باستحالة عيش أي إنسان لسنوات طويلة بلا طعام أو شراب (كما يدعي المشعوذ براهلاد) ولكنني في المقابل لا أستبعد قدرة الجسم على التكيف مع كميات تقل بالتدريج.. وعلى فترات تتباعد باستمرار!!