ارتفاع مؤشرات الأسهم الأمريكية في ختام التعاملات ببورصة "وول ستريت"    ترمب يفرض رسومًا شاملة جديدة    الصين تطلق نشرة إنذارية لمواجهة رياح قوية وعواصف رملية    رياح نشطة مثيرة للأتربة على معظم مناطق المملكة    الصيام آمن لمرضى الروماتويد مع الالتزام بالعلاج    ذكريات من الصفة    رئاسة الشؤون الدينية تعزز رسالتها الإيمانية والعلمية والتوجيهية في الحرمين الشريفين    معالي رئيس الشؤون الدينية وأئمة وخطباء المسجد النبوي في استقبال سمو ولي العهد لدى زيارته المسجد النبوي الشريف    ولي العهد يستقبل في المدينة المنورة أصحاب الفضيلة العلماء والمعالي وجمعًا من المواطنين    نائب أمير تبوك يرفع الشكر للقيادة على الدعم السخي للحملة الوطنية للعمل الخيري في نسختها السادسة    أمير منطقة جازان يزور سوق الأولين الرمضاني    القادسية يتخطى الأخدود برباعية في دوري روشن للمحترفين    الشباب يكسب ضمك بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    المملكة توزّع (2,000) سلة غذائية في غانا    مجموعة stc تقدم تبرع مالي بقيمة 10 ملايين ريال لصالح الحملة الوطنية للعمل الخيري عبر المنصة الوطنية "إحسان"    يوم التأسيس... ثلاثة قرون من الأمان المتواصل    أمير الرياض يكرّم الفائزين في المسابقة المحلية على جائزة الملك سلمان بن عبدالعزيز لحفظ القرآن الكريم وتلاوته وتفسيره في دورتها ال 27    الفيحاء يتغلب على التعاون بثلاثية في دوري روشن للمحترفين    رمضان يعيد تشكيل المشهد الترفيهي في المملكة    «ناسا» تحدد 6 مارس المقبل كأقرب موعد لإرسال رواد فضاء في رحلة حول القمر    كينونيس يزاحم بقوة على صدارة هدافي دوري روشن    تقني سراة عبيدة يطلق مبادرة تدوير الفريون مستهدفًا 300 مستفيد    الهلال يُعلن موقف ثيو هيرنانديز من مواجهة الاتحاد    خادم الحرمين وولي العهد يتبرعان بمبلغ 70 مليون ريال للحملة الوطنية للعمل الخيري    أمير الرياض يستقبل مدير فرع وزارة الموارد البشرية بالمنطقة    ضبط 3 إثيوبيين في عسير لتهريبهم (45) كيلوجرامًا من مادة الحشيش المخدر    الصحة تؤكد سلامة أدوية الستاتين    محافظ الطائف يستقبل مدير الدفاع المدني ويطّلع على خطة شهر رمضان    محافظ الطائف يستقبل المهنئين من منسوبي المحافظة والمراكز التابعة لها بمناسبة رمضان    جامعة أمِّ القرى تنظِّم برنامجًا ثقافيًّا احتفاءً بيوم التَّأسيس    جامعة أمِّ القُرى تُحقِّق إنتاجًا لافتًا في النَّشر العلمي وترسّخ حضورها البحثيَّ عالميًّا    اختتام مشروع "بصيرة" لعمليات المياه البيضاء بدعم مؤسسة فهد بن عبدالله العويضيه الخيرية    الوداد تطلق حملتها الرمضانية "بيدك تكمل فرحة يتيم"    افتتاح فرع مركز «شمعة التوحد» في القطيف    أولى جُمَع رمضان في المسجد الحرام.. مشهد إيماني تتجلّى فيه الطمأنينة وعظمة المكان    مندوب المملكة يشارك في جلسة الأمن بشأن الوضع في السودان    خطيب المسجد الحرام: الصيام شُرع ليتحلى المؤمن بالتقوى    خطيب المسجد النبوي: رمضان شهر القبول والسعود، هذا شهر العتق والجود    ولي العهد يزور المسجد النبوي    باحثون: علاقة بين انخفاض الأكسجين وتراجع سكر الدم    بأمر الملك.. وزير الدفاع يقلد قائد القيادة المركزية الأميركية السابق وسام الملك عبدالعزيز    ولي العهد يجتمع بالسيناتور الأمريكي ليندسي غراهام في الرياض    تحت رعاية خادم الحرمين.. الأميرة فهدة آل حثلين تكرّم الفائزات بالمسابقة المحلية على جائزة الملك سلمان لحفظ القرآن الكريم    الشعيبة 5 تتجاوز السعة التصميمية 11% وتسجل رقمًا عالميًا في كفاءة الطاقة    في مباراة مثيرة شهدت 7 أهداف.. الاتفاق يفوز على ضيفه الفتح    الوداد تطلق حملتها الرمضانية "بيدك تكمل فرحة يتيم" لدعم مسيرة الاحتضان    الجبير: السعودية ستقدم مليار دولار لتخفيف معاناة الفلسطينيين    صرف أكثر من 3 مليارات ريال معونة شهر رمضان لمستفيدي الضمان الاجتماعي     نائب أمير الشرقية يطّلع على استعدادات أمانة المنطقة لشهر رمضان    أمير جازان ونائبه يستقبلان المهنئين بمناسبة حلول شهر رمضان    طهران تتمسك بشروطها في جنيف.. واشنطن تؤكد منع إيران من السلاح النووي    وسط تباعد المواقف.. تعثر محادثات جنيف بين موسكو وكييف    إصابة ثلاثة فلسطينيين بجروح خطيرة.. ألغام الاحتلال تقتل طفلين في الأغوار    جوائز عالمية تحتفي بروائع التصوير    الطلاق النومي ظاهرة تتسلل إلى غرف الأزواج    أمير تبوك يستقبل المهنئين بشهر رمضان المبارك    أخطر الحيتان ليست التي تعاديك    سأل الله أن ينعم على الأمة الإسلامية والعالم بالاستقرار.. الملك سلمان: ماضون في نهجنا الثابت بخدمة الحرمين الشريفين    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



أكدية مكة: كَدَا، وكَدَاء، وكُدَاء، وكُدَىّ 1/2

يقول الأستاذ أحمد السباعي –رحمه الله– في كتابه (تاريخ مكة): إن مدينة مكة المكرمة تقع على (21) درجة ونصف درجة تقريبًا عرضًا شماليًا وعلى نحو (40) درجة طولًا وترتفع عن سطح البحر بنحو (280) مترًا. ويبين السباعي أن مكة تقع في “وادٍ تحيط به الجبال وتنحدر سيولها فيه” (1).
وجغرافيًا تقع مكة المكرمة في المنطقة الغربية من وطننا الغالي المملكة العربية السعودية، وهي منطقة يُعَرّفها الجيولوجيون بالدرع العربي(2)، وهي من أقدم التكوينات الجيولوجية في المنطقة، حيث تسود صخور الجرانيت فيها.
وقد أشارت دراسة لإحدى الشركات الاستشارية أجريت في منطقة مِنى أن الصخر المكشوف في المنطقة في غالبيته جرانيت وجراندورايت ودايورايت. وهذه الصخور هي الغالبة في طبيعة أراضي مكة المكرمة(3).
وتتصف مكة المكرمة بأنها مدينة جبلية تقول عنها الباحثة «رقية حسين نجيم» في كتابها (البيئة الطبيعية لمكة المكرمة) من إصدارات مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي فرع موسوعة مكة المكرمة والمدينة المنورة: إن جغرافيتها البشرية تخضع للتركيب التضاريسي أكثر من أية مدينة من مدن المملكة. وتقول نجيم: إن من الجبال الموجودة في الجزء الشرقي من هضبة مكة المكرمة كل من: جبل الطارقي، جبل الأحدب، جبل ثبير، جبل الرخم، جبل النور، جبل اذاخر، جبل السيدة، جبل الخندمة، جبل ثور، جبل النسوة، وتقول: إن هذه الجبال هي أعلى جبال مكة المؤثرة على التصريف. كما تبيّن الباحثة أن من الجبال المنخفضة والموجودة في الجزء الغربي من هضبة مكة كل من: جبل أبي قبيس، جبل قعيقعان، جبل الكحل، جبل أبي لهب، جبل الكعبة، جبل قلعة أجياد، جبل السبع نبات، جبل عمر(4).
وفي بحث جادّ ضمّنه الدكتور عبدالله بن صالح الرقيبة في رسالة الماجستير التي قدمها إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية يقول الدكتور الرقيبة: إن عبدالرحمن الشريف ذكر في كتابه (جغرافية المملكة العربية السعودية): أن مكة المكرمة تقع وسط تلال صخرية تسمى بالجبال الساحلية هي جزء من الدرع العربي. وهذه الجبال عبارة عن جبال وتلال متقطّعة توازي في امتدادها السهل الساحلي. وقد نتجت عن عملية انهدام أحدثت حفرة البحر الأحمر، ولذلك كانت تضاريسها معقدة، فهي تتكون من مجموعات من النجود المرتفعة إلى جوار أغوار عميقة تحولت بفعل عوامل التعرية إلى كتل جبلية وتلال مختلفة الأشكال، وقد شغلت الوديان تلك الأغوار وزادت من تعقيد سطحها، ولذلك تتسم بالقمم الحادة والوديان الفسيحة العميقة، ويختلف ارتفاع الجبال اختلافًا كبيرًا(5).
ولا شك أن هذه الجبال وغيرها من جبال البلد الأمين تختزن جزءًا هامًا من قصص تاريخ مكة وقصص التاريخ الإسلامي كما تختزن جغرافيتها كثيرًا من ذاكرة ذلك التاريخ.
فالقرآن الكريم نزل على سيدنا محمد -صلى الله عليه وسلم- في أثناء اعتكافه في غار حراء بجبل النور. وتقول بعض الروايات الإخبارية إن أبا البشر آدم عليه السلام التقى بزوجه حواء على قمة جبل الرحمة في عرفات قرب مكة. وجبل ثور تشرف بإيواء سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه الصديق -رضي الله عنه- في غاره لعدة أيام في بداية رحلة هجرتهم من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة. ويسجّل جبل خندمة قصه دخول سيف الله المسلول خالد بن الوليد -رضي الله عنه- إلى مكة المكرمة خلال ملحمة الفتح.
يقول مؤرخ مكة المكرمة المعروف الشيخ عاتق بن غيث البلادي رحمه الله: قيل إن حماس بن قيس بن خالد أحد بني بكر، وكان يعدّ سلاحًا، فقالت امرأته: لِمَ تعدّ ما أرى؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت له: ما أرى أنه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، فقال: والله أني لأرجو أن أُخدِمِكِ بعضهم. ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما بي علّة
هذا سلاح كامل وآله.
وذو غرارين سريع السلة.
ثم شهد يوم الفتح الخندمة مع ناس قد جمعهم صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، فهزمهم خالد بن الوليد، فمر حماس منهزمًا حتى دخل بيته، قال لامرأته: أغلقي عليّ بابي، قالت: فأين ماكنت تقول؟ فقال:
إنك لو شهدتنا بالخندمة
إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمةَ
واستقبلتنا بالسيوف المسلمة
يقطعن كل ساعد وجمجمة
ضربًا فلا تُسمع إلا غمغمة
لهم نهيب خلفنا وهمهمة
لم تنطقي في اللوم أدنى كلمة(6).
كما أن جبل قعيقعان يختزن ذاكرة التاريخ القديم لمكة وقاطورا وقد أصبح اليوم لهذا الجبل عّدة أسماء، حيث تسمّى بعض أجزائه بأسماء كثيرة منها: جبل العبادي، وجبل السليمانية، وجبل هندي، وجبل الفلق، وقرن، وجبل السودان. وبين الفلق والقراره له عده أجزاء بأسماء مختلفة مثل: جبل القرارة، وجبل فلفله، وجبل النقا. هذا الجبل (قعيقعان) يحكي قصة جرهم وقاطورا الذين سكنوا مكة منذ أيام إسماعيل عليه السلام.
يقول ياقوت عن جبل قيقعان أنه سُمِّي بذلك لأن قاطورا وجرهم لمّا تحاربوا قعقعت الأسلحة فيه، وعن السدى أنه قال: سُمّي الجبل الذي بمكة قعيقعان لأن جرهم كانت تجعل فيه قسيَّها وجعابها ودَرَقَها، فكانت تقعقع فيه (7).
ويسمي طرف قعيقعان المشرف على حارة الباب بجبل المطابخ. وقد يظن البعض أن تسمية هذا الجبل بهذا الاسم هي تسمية حديثة العهد. إلاّ أنَّ المصادر التاريخية تبيّن أن هذا الجبل عُرِفَ بهذا الاسم (جبل المطابخ) منذ مئات السنين. فلقد ورد ذكر جبل المطابخ باسمه هذا في العديد من المصادر التاريخية المتقدمة والمتأخرة.
عن هذا الجبل يقول الشيخ عاتق بن غيث البلادي رحمه الله: المطابخ: بمكة بجنب حارة الباب جبل يسمى جبل المطابخ وهو أحد نعوف قعيقعان الجنوبية، وقال المتقدمون: سُمّي بذلك لأن تبّعًا همَّ بهدم البيت الحرام، فسقم فنذر إن شفاه الله أن ينحر ألف بدنة، فَعُوفِي فَوَفّى بما أنذر، وجلبت المطابخ إلى هناك، ثم أطعم الناس(8).
كما يقول البلادي: إن الأزرقي قال في خبر قتال قبيلتي جرهم وقاطورا: إن القوم تداعوا للصلح فساروا حتى نزلوا المطابخ، شِعب بأعلى مكة يقال له: شِعب عبدالله بن عامر بن كريز.
ونحر مضاض بن عمرو –ملك جرهم- للناس وطبخ فسمي المطابخ.
يقول البلادي: قلت: هذا يُعرف اليوم بشعب عامر(9).
وقد جاء ذكر لجبل المطابخ في كتاب (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه) لصاحبه مؤرخ مكة أبوعبدالله محمد بن إسحاق بن العباس الفاكهي –رحمه الله- توفي حوالي سنة(272ه) وهذا الكتاب الذي قام معالي الدكتور عبدالملك بن دهيش –جزاه الله خيرًا- بتحقيقه.
عن هذا الجبل يقول الفاكهي –رحمه الله-: “المطابخ: شِعب عبدالله بن عامر كله يقال له: المطابخ: سمي بذلك لتُبّع، لما قدم مكة طبخ فيه ونحر”(10).
أيضًا من جبال مكة التي تختزن تاريخها جَبَليّ كدي وكداء.
يقول ياقوت في معجم البلدان: كُدًى: بالضم والقصر جمع كُدْيه، وهي صلابة تكون في الأرض. يقال للحافر: إذا بلغ إلى حجر لا يمكنه معه الحفر قد بلغ الكُدْيَة، وهو موضع بمكة فيه اختلاف(11).
وعن هذا الموضع يقول ابن منظور (المتوفى سنة 711ه) في لسان العرب: إن كُدى وكُداء: موضعان، وقيل: هما جبلان بمكة، وقد قيل كَدًا، بالقصر، يقول ابن منظور: قال ابن قيس الرُّقَياتِ:
أَنتَ ابنُ مُعْتلَج البِطاح
كُدَيِّها وكَدائِها
كما يقول ابن منظور: إن ابن الأنباري يقول: كَداء، ممدود: جبل بمكة، وقال غيره: كدًا جبل آخر، وقال حسان بن ثابت -رضي الله عنه-:
عَدِمْنا خَيْلَنا إن لم تَرَوْها
تُثيرُ النَّقْع، مَوْعِدها كَداء
وقال بشير بن عبدالرحمن بن كعب بن مالك الانصاري:
فسَل الناسَ، لا أبا لَكَ عنّا
يومَ سالَتْ بالمعْلمين كَداء
قال: وكذلك كُدَيّ، قال ابن قيس الرُّقيَّات:
أَقْفرَتْ بعدَ عبدشمسِ كَداء،
فَكُديّ فالركنُ فالبطحاء
ويقول ابن منظور: إنه في الحديث: أنه -صلى الله عليه وسلم- دخل مكة عام الفتح من كَداء، ودخل في العمره من كُدي.
ويبين لسان العرب أن كَداء بالفتح والمد، ويعرّفها بأنها: الثنية العليا بمكة مما يلي المقابر، وهو المْعلَى. كما يبين أن كُدًا، بالضم والقصر: الثنية السفلى مما يلي باب العمرة، وأمّا كُدَيّ، بالضم وتشديد الياء، فهو موضع بأسفل مكة، شرفها الله تعالى.
يقول ابن الاعرابي: دَكا إذا سَمِنَ وكَدا إذا قطع(12).
وجاء ذكر كُدى في كتاب (أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار) لصاحبه أبو الوليد الأزرقي المتوفى سنة 223ه.
عن ذلك يقول الأزرقي رحمه الله: إنه لما كان جرهم وقاطورا يومئذ أهل مكة كان على جرهم مضاض بن عمرو ملكا عليهم، وعلى قاطورا رجل منهم يقال له السميدع ملكا عليهم، ولما نزلا مكة « نزل مضاض بن عمرو ومن معه من جرهم أعلى مكة وقعيقعان، فحاز ذلك، ونزل السميدع أجيادين وأسفل مكة فما حاز ذلك، وكان مضاض بن عمرو يُعْشّر من دخل مكة من أعلاها وكان السميدع يُعْشّر من دخل مكة أسفلها ومن كُدى»(13).
وفي تحقيقه لكتاب (أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه) للفاكهي رحمه الله يعلق معالي الشيخ عبدالملك بن دهيش على ما ذكره الفاكهي من أن: «الناس كانوا يستقون من البركة الكبيرة التي بأعلى مكة، حتى كانت سنة عشر ومائتين، فكتب صالح بن العباس إلى امير المؤمنين المأمون يستأذنه في عمل البرك الصغار التي في فجاج مكة، وأن يكون ذلك منه، فكتب إليه يأمره أن يتخذ له بركًا في الفِجاج خمسًا لئلا يتعنّى أهل المسفلة وأهل الثنية وأجيادين، والوسط، إلى بِركة أم جعفر بالمعلاه».. إلى آخر ما جاء.
عن هذه الثنية يقول الدكتور ابن دهيش: “هي الثنية السفلى، التي يسن الخروج من مكة عليها، وتسمى (كُدى) بضم الكاف والقصر. وتسمى اليوم (الشبيكة) أو (ريع الرسام) (14).
وفي كتاب « المناسك» وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة لصاحبه إبراهيم بن اسحق بن إبراهيم الحربي المتوفى سنة 285ه، جاء ذكر لكدا في القسم الخاص بمكة المكرمة وما فيها من الآثار.
يقول الحربي: ولمكة ثنيتان: الثنية العليا والثنية السفلى، ويقال للعليا، للموضع أذاخر.
وينقل الحربي عن هشام ابن عروه عن أبيه عن عائشة -رضي الله عنها قولها: دخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عام الفتح من الثنية العليا.
ونقل عن عبدالعزيز بن محمد عن عبيدالله عن نافع عن ابن عمر -رضي الله عنهما أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدخل من الثنية العليا، ويخرج من الثنية السفلى بمكة.
ويقول الحربي: إن ابن اسحق قال: حدثني ابن ابي نجيح قال: فرق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- جيشه عام الفتح، فأدخل الزبير من كَدا، وأدخل خالد بن الوليد من الليط (يقول محقق الكتاب أن الليط في أسفل مكة من جهة جرول)، وآمر سعد بن عبادة أن يدخل من كُدا ودخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من أذاخر، حتى نزل على مكة. (يقول المحقق: إن أذاخر لا يزال معروفا بهذا الاسم يطلق على الجبل، وفي طرفه ثنيتان، تفضيان إلى المعابده مقابله القصر الملكي (قصر السقاف) (والذي أصبح فيما بعد مقرًا للإمارة)(15).
أمّا عبدالله بن عبدالعزيز البكري الأندلسي المتوفى سنة 487ه صاحب كتاب (معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواقع) فإنه يقول:
(كَدَاء) بفتح أوله، ممدود لا يُصْرَف لأنه مؤنث: جبل بمكة مذكور في رسم ضريه. وكَدَاء هذا الجبل: هو عرفة بعينها، وهي كلها موقف إلا عُرنه، وليست عُرنه من الحرم، بينها وبين الحرم رمية بحجر، قال حسان يوعد قريش:
عَدِمنا خيلنا إن لمَ تَروْها
تُثِير النْقع مَوعِدُها كَدَاء
وقَال ابن الرقيات:
أَقفرت بعد عبدشمس كَدَاء
فكُدَى فالركنُ فالبطحاءُ
وكُدَى: جبل قريب من كَدَاء. يريد عبدشمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حِسل بن عامر بن لؤي بن غالب. وأنشد الخليل:
أنت ابن معتلج البطاح
كُدَيّها فكَدَائها
وروى البخاري وغيره، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر خالد بن الوليد يوم الفتح، أن يدخل من أعلى مكة من كَدَاءَ، ودخل النبي -صلى الله عليه وسلم- من كُدًى.
وروى في موضع آخر: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يدخل مكة من كَدَاءَ، ويخرج من أسفلها من كُدًى، بضم أوله، وتنوين ثانية، مقصور، على لفظ جمع كُدْيَه. قال علي بن أحمد (بن سعيد بن حزم الأندلسي): وكُدًى: بأسفل مكة، بقرب شِعب الشافعيين وشِعب ابن الزبير عند قُعَيْقِعان. حَلَّقَ النبي -صلى الله عليه وسلم- في حجة الوداع من ذي طُوى إلى كَدَاء (وحلق من كُدًى إلى المُحصّب) فكأنه ضرب دائرة في دخوله وخروجه، بات بذي طُوى، ثم نهض إلى أعلى مكة، فدخل منها من كَدَاء، وفي خروجه خرج من أسفل مكة، ثم رجع إلى المُحَصَّب.
وأما كُدَى مصغر، فإنما هو لمن خرج من مكة إلى اليمن، وليس من هذين الطريقين في شيء. وكان دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- من: كَدَاءَ وخروجه من كُدًى في حجة الوداع (16).
ويقول ياقوت الحموي -المتوفى سنة 626ه- في معجم البلدان: كَدَاء: بالفتح والمد.
قال أبو منصور أكْدَى الرجل إذا بلغ الكدى وهو الصخر، وكدأ النبتُ يكْدَأ إذا أصابه البرد فلبَّده في الأرض أو عطش فأبطأ نباته، وإبل كاديه الأوبار قليلتها، وقد كديت تكدى كَدَاءَ، وفي كداء ممدود وكُدَىّ بالتصغير وكدَى مقصور كما يذكره اختلاف ولابد من ذكرها معًا في موضع ليفرق بينها.
المصادر:
(1) السباعي، أحمد: تاريخ مكة، الطبعة الثامنة، مطابع الصفا، مكة المكرمة، (1420ه - 1999م)، ص/15.
(2) الرقيبة، عبدالله بن صالح: الحج إلى مكة المكرمة – دراسة جغرافية لمنطقة الحج وإعداد الحجاج، (3) رسالة ماجستير مقدمة إلى جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، (1404ه - 1405ه)، ص/7
المصدر السابق، ص/11
(4) نجيم، رقية حسين سعد: البيئة الطبيعية لمكة المكرمة، مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، لندن، (1420ه - 2000م)، ص/68.
(5) الرقيبة، عبدالله بن صالح: الحج إلى مكة المكرمة، مصدر سابق، ص/12
(6) البلادي، عاتق بن غيث: معجم معالم الحجاز، ج/3، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، (1399ه-1979م) ص/160-162.
(7) الحموي، ياقوت بن عبدالله: معجم البلدان، المجلد الرابع، ج/7، تحقيق محمد عبدالرحمن المرغلي، دار إحياء التراث العربي، بيروت،(1416ه-1966م) ص/74.
(8) البلادي، عاتق بن غيث: معالم مكة التاريخية والأثرية، الطبعة الثانية، دار مكة للنشر والتوزيع، مكة المكرمة، (1403ه-1983م)،ص/278.
(9) المصدر السابق، ص/279.
(10) الفاكهي، محمد بن اسحق: أخبار مكة في قديم الدهر وحديثه، تحقيق د. عبدالملك بن دهيش، المجلد الرابع،الطبعة الأولى، مكتبة النهضة الحديثة، مكة المكرمة، (1407ه -1987م)، ص/138.
(11) الحموى، ياقوت بن عبدالله: معجم البلدان، المجلد الرابع، ج/7/ مصدر سابق.
(12) ابن منظور، محمد بن مكرم: لسان العرب، ج/13، دار صادر، بيروت، الطبعة الثالثة، (2004م)، ص/36-37.
(13) الأزرقي، أبوالوليد محمد عبدالله: أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار، الجزء الأول، تحقيق رشدي الصالح ملحس، الطبعة العاشرة مكتبة الثقافة، مكة المكرمة، (1423ه - 2002م)، ص/80.
(14) الفاكهي، محمد ابن اسحق: أخبار مكه في قديم الدهر وحديثه، تحقيق عبدالملك بن دهيش، المجلد الثالث مصدر سابق، ص/153.
(15) الحربي، إبراهيم بن اسحق بن إبراهيم: كتاب «المناسك» وأماكن طرق الحج ومعالم الجزيرة تحقيق عبدالله بن ناصر الوهيبي، دار اليمامة، الرياض، 1420ه، ص/229-230.
(16) البكري الأندلسي، عبدالله بن عبدالعزيز: معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع، ج/4، تحقيق مصطفى السقا، الطبعة الثالثة، مكتبة الخانجي، القاهرة، (1417ه - 1996م)، ص/1117-1118.
يتبع
* باحث وأكاديمي


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.