إلى أين تتجه أسعار النفط على المدى القريب؟    الزكاة والدخل تدعو المكلفين إلى تقديم إقرارات ضريبة السلع الانتقائية    أمير الباحة يستقبل مدير إدارة التدريب التقني والمهني بالمنطقة    استقالة 3 وزراء بالحكومة اللبنانية بسبب «انفجار بيروت»    تصريح كاريلي قد يُعجّل بإقالته من تدريب الاتحاد    جامعة الملك خالد تعلن مواعيد معالجة الجداول والحركات الأكاديمية    مصادرة تمور في وادي الدواسر مخزنة بطريقة غير صحية    الكويت تسجّل 509 حالات شفاء من كورونا    انطلاق «قمة الرياض للصحة الرقمية».. غداً    «المواصفات» تدرس تغليف المنتجات المستوردة في مصانع المملكة    "السعودية للكهرباء": تركيب العدادات الذكية يسير وفق الخطط الموضوعة    بدر بن سلطان يُهنئ «القرشي» بمناسبة تعيينه مديرا ل«مدني مكة»    بعد سيول لحج والحديدة.. "مركز الملك سلمان": حملة عاجلة لإغاثة 145 أسرة    عيادات مركز الملك سلمان للإغاثة تواصل تقديم خدماتها الطبية للاجئين السوريين في مخيم الزعتري    التعادل السلبي يحسم مواجهة الوحدة و الرائد في دوري كأس الأمير محمد بن سلمان    خادم الحرمين يهنئ رأس الدولة في تشاد بذكرى الاستقلال    سمو نائب أمير منطقة جازان يرأس جلسة مجلس المنطقة في دورته الثالثة    الأمن العام يطور مختبرًا للأدلة الرقمية الجنائية    "الأرصاد" تنبه من هطول أمطار رعدية على عدد من محافظات منطقة مكة المكرمة    الشؤون الإسلامية تنظم البرنامج العلمي "حماية جناب التوحيد" بمكة المكرمة    ضمك يتغلب على الفيصلي في دوري كأس الأمير محمد بن سلمان للمحترفين    إيداع 1.8 مليار ريال لمستفيدي حساب المواطن و16.5 مليون ريال بأثر رجعي    أكثر من ألف وفاة جديدة ب #كورونا في الهند    اتحاد القدم: لا علاقة لنا بغياب "مايكون" عن الديربي    وزارة التعليم والهيئة السعودية للفضاء تُطلقان البرنامج الصيفي ( 9 رحلات للفضاء )    "شؤون الحرمين" تقرر إنشاء وكالة الرئاسة لشؤون مجمع كسوة الكعبة    انتشال جثة شخص سقط في بئر بعمق 30 متراً بالحناكية    "هيئة الصحفيين": اتخذنا إجراءات لضبط الممارسة الإعلامية وحماية المهنة ممن ينتحلون صفة "إعلامي"    أمير الجوف يستقبل مدير الدفاع المدني بالمنطقة ويتسلم التقرير السنوي    وفاة الفنان السوري طوني موسى متأثراً بإصابته ب كورونا    "جهود المملكة في الدعوة إلى الله" محاضرة بجامع البلوي بالمدينة المنورة    بالفيديو.. الشيخ المنيع يوضح حكم غرس الأشجار عند القبور    ما هي مرحلة الأحلام.. ومتى تحدث أثناء النوم؟    اهتمامات الصحف الفلسطينية    تعليم وادي الدواسر يدعو أولياء الأمور للاستفادة من خدمة النقل المدرسي    الحج سيرة ومسارات تنهض بمستجدات التفكير والإدارة    فوز لوكاشينكو بفترة رئاسة أخرى في روسيا البيضاء    قبائل الصومال تتحد ضد "فورماجو": لن تحكمنا قطر    إصابة 16 لاعباً مغربياً بفيروس #كورونا    #إيجار : أكثر من مليون عقد سكني وتجاري في الشبكة.. 31% منها سدادها شهري    وليد أبو بكر : القصة القصيرة جداً من التبعيّة نحو الاستقلال...    بالتخصص الأهلي يهزم العميد    باهبري يظهر أمام العدالة    استعدادا لإسدال الثوب.. اكتمال صيانة الكعبة المشرفة    أرامكو: توزيع أرباح 70.32 مليار ريال للربع الثاني من 2020    «نصر الله» أوهن من «بيت العنكبوت»    آل عثمان: أساءوا للمهنة وللعاملين فيها    أمير تبوك يستقبل المهنئين بعيد الأضحى    النائب العام يعايد منسوبي النيابة العامة افتراضياً عن بُعد    عمل المرأة: الزوايا الخافتة !    ولعت بين الزملاء !    العودة للمدارس.. والأسئلة الحائرة !    الحركة الثقافية والفنية في المملكة.. الواقع والمأمول    التجربة الحضرمية !    دوري محمد بن سلمان.. 4 مباريات و11 هدفًا والديربي أخضر    مصرع 10حوثيين في جبهة قانية واندلاع مواجهات في محافظة البيضاء    أمير نجران: المملكة تسابق العالم لفعل الخير    تعرف على التدابير الوقائية لمنع انتشار "كورونا" بين طلاب وطالبات المدارس    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





طه حسين.. العقل العربي المؤجل
نشر في المدينة يوم 09 - 07 - 2020

لا شيء يولد من الفراغ.. طه حسين وليد منظومة ثقافية كانت تبحث عن مسلكها الحداثي وسط غليان غير مسبوق، كانت تعيشه الثقافة العالمية، والفرنسية تحديدًا.. مدارس تتمزق، وأخرى تنشأ على أنقاضها، في ظل مناخ ديمقراطي كان يقبل بهذه السجالية، مهما كان خلافه واختلافه معها.. يكفي أن نعلم أن طه حسين هو في النهاية ثمرة لهذه المكونة المتناقضة.. خريج الجامعة المصرية، تتلمذ على يد كل من أحمد زكي في دروس الحضارة الإسلامية، وعلى يد أحمد كمال باشا في الحضارة المصرية القديمة، والمستشرق جويدي في التاريخ والجغرافيا، وعلى كارلو ألفونسو نللينو وتأثر بأطروحاته كثيرًا، لدرجة أن أصبح ينادي بما نادى به أستاذه حول الشعر الجاهلي، وفي اللغات السامية القديمة، على يد المستشرق ليتمان، وفي الفلسفة الإسلامية على يد دافيد سانتلانا، وفي تاريخ الحضارة الشرقية القديمة على ميلوني، والفلسفة على ماسينيون، والأدب الفرنسي على كليمانت، شيء يكاد لا يصدق اليوم، في ظل انغلاق جامعاتنا على نفسها.. أما في جامعة باريس فقد درس التاريخ اليوناني على غلوتسس، والتاريخ الروماني على بلوك، والتاريخ الحديث على سيغنوبوس، وعلم الاجتماع على اميل دوركايم، وقد أشرف هذا ومعه بوغليه على أطروحته عن فلسفة ابن خلدون الاجتماعية بمشاركة من بلوك وكازانوفا.
هذه الموسوعية والعقلانية العربية وإن كانت سجينة الدين في أغلبها، والغربية بكل انفتاحها، جعلت طه حسين يرتاد مساحات كانت شبه ممنوعة على التفكير.. فقد سمحت له ثقافته الأزهرية والفرنسية والأوروبية عمومًا، أن يرى المستقبل بشكل مخالف.. لم يكن يرى في التخلف حالة قدرية تجب الاستكانة إليها، ولكن حالة عليها أن تخضع لتغيير حقيقي وعميق، ومقاومة فعلية.. بدأت نقاشاته تبتعد شيئًا فشيئًا عن التفسيرات الدينية أو المجتمعية المستهلكة.. أدرك بحاسته العقلانية المتأتية من الثقافات التي تلقاها ومما عاشه ثقافيًا في تكوينه، أن لا شيء سوى العقل لتفسير ما يحيط بنا.. التجأ إلى المنطق يختبر به المعارف الإنسانية والثقافية العربية، وكان من بين ذلك أن أعاد النظر في الكثير من اليقينيات ومنها يقين الشعر الجاهلي في كتابه: في الشعر الجاهلي.. ونشره في 1926 وأثار جدلا كبيرًا.. فقد عمل فيه بمبدأ ديكارت وخلص في استنتاجاته وتحليلاته إلى أن الشعر الجاهلي منحول، وأنه كتب بعد الإسلام ونسب للشعراء الجاهليين.. وكان يعرف مسبقًا أن الأمر لن يكون هينًا وأنه مستعد للمجابهة لأنه داخل الحق والعقل: «هذا نحو من البحث عن تاريخ الشعر العربي جديد لم يألفه الناس عندنا من قبل، وأكاد أثق بأن فريقًا منهم سيلقونه ساخطين عليه، وبأن فريقًا آخر سيزورون عنه أزورارًا.. ولكني على سخط أولئك وأزورار هؤلاء أريد أن أذيع هذا البحث أو بعبارة أصح أريد أن أقيده فقد أذعته قبل اليوم حين تحدثت به إلى طلابي في الجامعة.. وليس سرًا ما تتحدث به إلى أكثر من مائتين، ولقد اقتنعت بنتائج هذا البحث اقتناعًا ما أعرف أني شعرت بمثله في تلك المواقف المختلفة التي وقفتها من تاريخ الأدب العربي، وهذا الاقتناع القوي هو الذي يحملني على تقييد هذا البحث ونشره في هذه الفصول غير حافل بسخط الساخط ولا مكترث بازورار المزور.. وأنا مطمئن إلى أن هذا البحث وإن أسخط قومًا وشق على آخرين فسيرضي هذه الطائفة القليلة من المستنيرين الذين هم في حقيقة الأمر عدة المستقبل وقوام النهضة الحديثة، وزخر الأدب الجديد.»
وهو بالفعل ما حدث.. كان يعرف العقلية المتسيدة، فقد رد عليه العديد من علماء الدين والفلسفة واللغة ومنهم: مصطفى صادق الرافعي والخضر حسين ومحمد لطفي جمعة والشيخ محمد الخضري ومحمود محمد شاكر وغيرهم.. كما قاضى عدد من علماء الأزهر طه حسين إلا أن المحكمة برأته لعدم ثبوت أن رأيه قصد به الإساءة المتعمدة للدين أو للقرآن.. فجأة أصبح العدو رقم واحد للمجتمع المصري.. وانهارت مقاومته في النهاية واستسلم للمؤسسة المعادية للعقل والتنور.. أول شيء قام به، أن غير اسم كتابه من الشعر الجاهلي إلى «في الأدب الجاهلي» وحذف من الكتاب المقاطع الأربعة التي اخذت عليه، والمقدمات المنهجية التي كسرت أو شققت سور الثبات واللا عقل.. وكان قد صارح أحد أصدقائه، وائل حافظ خلف، في كتابه: مجمع البحرين في المحاكمة بين الرافعي وطه حسين، أنه تحت عنف الكلام والضغط المستمر عليه، تراجع عما قاله.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.