أعرف مُواطِنة من ذوي الدخل المحدود.. فضلاً لا أمراً: آمل تغيير حرف «الحاء» في كلمة «المحدود» إلى «هاء»، لتُصبح المُواطِنة من ذوي الدخل المهدود وهذا أقرب للدقّة!. والمهم هو أنّ المُواطِنة باعت مسكنها القديم بسعرٍ مُنخفِض أو ب»تُراب الفُلُوس» كما يقول أهلُ الحجاز، وأضافت للسعر مُدّخرات حياتها، وما اقترضته من هنا ومن هناك، وما عملته من جمعيات هنا وهناك، واشترت بالمجموع شُقّة من مقاول وصف نفسه بأنّه مُطوِّر عقاري، وزعم أنّ الشُقّة فاخرة، ومنح المُواطِنة ضماناً عليها لمُدّة سنة واحدة!. وفرحت المُواطِنة بالشُقّة كثيراً، بل لم تسعْها فرحتها من كثرة الفرح، غير أنّ العروس جاءت ل «تفرح فلم تجد لها مطرح»، إذ ما إن انقضت السنة، وكأنّ بين الشُقّة وبين المُطوِّر العقاري اتفاقاً من تحت الطاولة، حتّى بدأت العيوب تظهر في الشُقّة، مثل تسريبات المياه من تمديدات السباكة، وتقشّر الدهان، وعدم كفاية التسليك الكهربائي، إلخ إلخ إلخ!. وعندما كانت تُراجِع المُطوِّر كان يقول لها بالفم المليان: «وإشْ تِبْغِي منّي؟ لقد انتهت سنة الضمان»، فكانت المسكينة تُصلِح العيوب على حسابها المهدود مثلما هو دخلها المهدود!. وفجأة، وبين ثانيةٍ وضُحاها، «قَبّ» جُلُّ بلاط أرضيات شُقّتها، ومعنى «قَبّ» هو: «تفكَّكَ وخرج من مكانه»، وتحوّل من حالة الثبات الأفقي إلى حالة التَخَلْخُلْ الكامل، مُتّخِذاً شكل الهرم الصغير بين حبّاته، ولا يُستطاع المشي عليه، ويحتاج للإزالة الفورية والتغيير الشامل، وبالطبع صرْف آلاف الريالات عليه من قبل المُواطِنة شبه المُفْلِسة!. وحالة كهذه لا تعني سوى شيء واحد، هو أنّ الغِشّ قد نال من أعمال البناء في هذه الشُقّة، وغيرها كثير من مساكن المُواطِنين التي تُعدّ بالآلاف حول المملكة، وتعجّ بها الأخبار وقاعات المحاكم!. وقد جرت العادة في المشروعات الحكومية أن يُقدِّم المقاولون ضماناً للأعمال المدنية التي تشمل البلاط وغيره لمُدّة عشر سنوات، لأنّ من طبيعة هذه الأعمال الصمود طيلة عقْد وأكثر في حالة عدم وجود غِشّ، عكس القطاع الخاص الذي يكثر فيه الغِشّ، ويكون العمل فيه تجارياً أكثر منه هندسياً، فتُستخدم مواد مُقلّدة وأرخص، وتُنجَز الأعمال بسرعة مُضِرّة، ولا تُراعَى أصول الصنعة، إلّا ما رحم ربّي، والمهم عند المقاولين -الذين كثير منهم وافدون يتمّ التستّر عليهم- هو الانتهاء من الأعمال التي بأيديهم لتنفيذ أعمال أخرى، ضمن سباق أسرع من سباق الخيول لحصْد الأرباح الحرام والفرار إلى بلادهم سالمين غانمين، والضحايا هم المواطنون من أمثال هذه المُواطِنة، في ظلّ عدم وجود آليات من الجهات المعنية لمراقبة المقاولين العاملين على الصعيد الشعبي، وعدم حرصها على فرْض ضمانات للمقاولات أطول زمنياً، كي تُلْزِم المقاولين بتجويد أعمالهم وتجنّب الغِشّ تفادياً للعقوبات!. ما أصعب أن يضع المواطن كلّ شقاء عُمْره وعرق جبينه في سلّة مسكن أحلامه، ثمّ يراه مُشيَّداً بعجينة الغِشّ، فهلّا حَمَيْتُمُوه، هلّا أعَنْتُمُوه، هلّا أنْقَذْتُمُوه!.