لم يكن يتصور أي منا أن يأتي اليوم الذي يمكن أن تستخدم فيه أدوات جديدة في سوق هام مثل سوق الأسهم. فأي سوق يمكن أن يستخدم فيه التاجر تدليساً أو احتيالاً أو غيرها من أساليب الحصول على قيمة أعلى بدون وجه حق. إلا أن الأيام السبعة الماضية في سوق الأسهم أثبتت استخدام المتاجرين بالطبع بعض أو فئة قليلة منهم - أسلوباً مستحدثاً قد يستورده منا الغرب والشرق في جني أرباح مهولة من الأسواق المالية لديهم، ألا وهو التنويم المغناطيسي من خلال أساليب الإيهام والإيحاء التي برع فيها هؤلاء المضاربون والتي أعتقد أنهم أصبحوا خبراء يمكن لهم أن يجنوا الملايين من وراء تدريسها للمستثمرين في دول العالم. البعض يقول حتى الآن إن الأيام القليلة الماضية مجرد نزول، والبعض الآخر يعتبره نزولاً طبيعياً نتيجة وجود ظرف استثنائي طارئ يتمثل في الحرب. إلا أن المراقب للوضع يلحظ أموراً غريبة قد أحاطت بهذا الانهيار، هذه الأمور في اعتقادي يمكن أن تكون لدينا نسيجاً لوضع قانوني ينبغي النظر فيه، وفي كيفية حدوثه ومن وراءه. فبداية السيولة وانحدارها المريب منذ بداية الأسبوع الماضي، وحتى قبل بدء أزمة لبنان... ثانياً: الشائعات التي تسربت وأثبت صحتها عن نتائج شركة سابك وموعد الاكتتابات. إن الشائعات وانتشارها مع اقترانها بانحدار حقيقي للسيولة، تعتبر الأدوات الرئيسة التي استخدمها صناع السوق في الإيهام والإيحاء للتنويم المغناطيسي لصغار المستثمرين، وتحريكهم نائمين في أسراب القطيع لتحقيق مآرب ربحية لهم. فكيف حدثت هذه العملية وكيف نجح هؤلاء الصناع في جني أرباح ثلاثة آلاف نقطة، يمكن أن تقدر مالياً بنحو 180 مليار ريال!! لمعرفة ما حدث سنسرد فيما يلي الجوانب التي اكتملت بها العملية: أولاً: بروز ظاهرة جديدة لتكتلات لكبار المضاربين وليس هوامير منفردين. البعض حتى هذه اللحظة لا يزال يصر على الأخذ بنقاط الدعم والمقاومة والتحليل الفني بفيبوناتشي وغيرها، إلا أني أقول لهم: هل فعلاً هذه النظريات قادرة على أن تفسر ما يحدث بالسوق السعودي؟! لو فسرت فهي لا تفسر سوى التحركات اليومية وبنسبة نجاح في اعتقادي لا تزيد عن 50%. لماذا؟ لأن السوق لا يعمل بمقتضى قوانين الحرية في الاعتماد على قوى العرض والطلب التي تفترضها هذه النظريات للتحليل الفني. فالسوق السعودي لسوء الحظ يقوم حالياً ليس كما كان في فبراير ومارس الماضي على هوامير منفردين، ولكن على تكتلات هامورية واضحة، كل شيء يبدو..... الشائعات وتسربها وإيهامات التغير في السيولة وغيرها ؟؟ ثانياً: كنتيجة لهذه التكتلات أصبح المؤشر العام بمثابة الكرة في أيدي الهوامير؛ يلقونها أينما وكيفما شاءوا. ثالثاً: الإيحاء من خلال استغلال شائعات صحيحة؛ فبداية استغلال لتسرب خبر أن أرباح سابك للنصف الأول أقل من مثيلتها من العام الماضي، ثم تسرب خبر الاكتتابات الضخمة، وبخاصة الاكتتاب في مدينة الملك عبد الله الاقتصادية، وأخيراً استغلالهم لأزمة الحرب في لبنان، وللأسف أن كافة الشائعات أصبحت اليوم أخباراً مؤكدة. خبر سابك صحيح أن أرباحها النصفية أقل من العام الماضي، وأن خبر الاكتتابات تأكد فيما بعد. رابعاً: شائعة واستغلال الإعلان عن الاكتتابات الجديدة؛ فأقول: إن تأثير تسرب خبر اكتتاب يكون أشد وطأة من الخبر نفسه نتيجة الاستغلال السيئ من قبل فئة معينة بالسوق لهذه الأخبار لبث الرعب والذعر في نفوس المستثمرين. لذلك، أقول إن ما شاهدناه في أحد المنتديات من تأكيد الاكتتابات المعلن عنها قبل نزولها يؤكد أنه لا يزال هناك تسرب للأخبار، وأن ما يصدر من شائعات تكون في غالبيتها صحيحة، الأمر الذي يمكن البعض من إعادة ترتيب أوضاعها قبل البعض الآخر، بما يخلق نوعاً من التمييز القاسي في تحقيق الربح والخسارة. لكن مع ذلك، فالاكتتابات مطلوبة وقد تمثل الحل لكثير من المشكلات الحالية في السوق، إلا أنها تحتاج لمزيد من التخطيط والاحتياطات عند طرحها. خامساً: استغلال أزمة الحرب في لبنان: فهل يعقل أن يكون تأثر السوق السعودي أعلى وأكبر من تأثر أقرب الأسواق جغرافيا للبنان؟ انهيار الثلاثة آلاف نقطة بصعود المؤشر أمس الثلاثاء إلى حدود 11500 نقطة في نهاية تداولات الصباح وتعويضه لنحو ألف نقطة، تكون قد بدأت تتضح ملامح كارثة الثلاثة آلاف نقطة التي تم الاستحواذ عليها من قبل كبار المضاربين من جيوب صغار المستثمرين. ومتوقع أن يتم تعويض البقية قريباً... وهنا نتساءل كيف وبما عاود المؤشر الصعود في ظل اشتعال وتفاقم حدة الحرب في لبنان؟ انهيار الثلاثة آلاف نقطة أشد قسوة من انهيار مارس للأسف كافة التحليلات اليوم لم تعد تأخذ التفسير النظري لنظرية أسواق المال، وتسعى لتحليل السوق السعودي كما لو لم يكن سوق مال يخضع لنظريات متعارف عليها. لا أقصد هنا نظريات التحليل الفني التي لا يخضع لها السوق السعودي إلا في المدى القصير جداً، ولكني أقصد تفسير النزول والصعود، وهل هو انهيار أم مجرد هبوط اعتيادي؟ أنا أقول إن نزولاً بنحو 3000 نقطة أي بنسبة 26% على مدى ثمانية أيام يعد انهياراً بالمعنى المتعارف عليه، فنزول 3000 نقطة تقريباً في 30 يوماً لا يعني شيئاً، فالعبرة هنا باقتران نسبة النزول بالمدى الزمني، فكلما زادت نسبة النزول في مدى زمني أقل كلما كان الانهيار أشد قسوة. فانهيار مارس هو نزول بما يقارب 50% تقريباً على مدى خمسين إلى سبعين يوماً، فما بالنا بنزول بنحو 26% على مدى 8 أيام تقريباً، بالطبع أشد قسوة. لا أجد تفسيراً سوى نجاح صناع السوق في الإيحاء والتنويم المغناطيسي لصغار المستثمرين... ولكن أين المراقبة؟؟ في اعتقادي وحرصاً على حماية حقوق صغار المستثمرين ينبغي من الآن تأسيس قوة تدخل بل أقول إغاثة سريعة للسوق.. بل ينبغي أن تكون هناك لجنة دائمة الانعقاد أثناء عمل وفتح السوق تمتلك الصلاحيات اللازمة لحماية الكل من الكل. د. حسن أمين الشقطي