في يوم خريفي هادئ .. تتساقط الأوراق الصفراء على أرصفة الطريق .. وتحملها الرياح بجوبها الهادئ الجميل. وخلا الجو سكون هادئ تسلل من خلفه خيوط الشمس المتموجة على المغيب، ويكاد الليل أن يهبط بحلكته، تحت تلك الشجرة الكبيرة اتكأ رجل تبدو على هيئته قلة الحيلة وشظف العيش، وبدت خيوط المواجع تسكن على سحنة وجهه، وتجاعيد الكبر تشكَّلت على وجهه تحكي مرارة الزمن وعظم الألم، انتفشت لحيته على شكل ينبئ عن عدم عنايته بها، رجل صامد على شجرة يشكو لها تباريح الألم، وتشكو له تجرُّدها من الأوراق الباعثة على جمالها، كلٌّ يبث شكواه للآخر في شجون دامع، إلاّ أنّ الرجل يبدو الألم قد تبدى فيه أكثر، ومعالمها تبرز في ثنايا بدنه وخواطر شجنه، سرت في دواخله قشعريرة جارفة أعادته إلى لحظات لم يطق يوماً أن يتخيلها، إلاّ أنّه خاض غمارها وعاش سير أحداثها، تذكر ذاك الوجه الحاني وقد تقطر منه الحنان والعاطفة، وجه أمه الرؤوم أيسعفه القدر أن ينسى ذلك الوجه الجميل، الذي أشرق فيه اليُمن، في قبالته انفرج الظلام عن وجه كاحل كئيب، بدت من حوله النيران المتأججة، انقبض منه قلبه وضاقت أساريره، وهل لذاك الوجه أيضاً أن يمحى من الذاكرة، وهو الذي أوصله إلى حاله الذي يتخبط فيه بين مرارات الألم وصراعات الوجدان، هو وجه زوجه التي لا ينساها، هي الغول بعينها التي قلبت حياته إلى جحيم مأزوم لا يضام، من قبلها كان في حياة بارجة هانئة بين أحضان أمه الدافئة ونجاحات الحياة المتسابقة، ويوم أن أراد ولوج العالم الجميل، لم يرض بخيارات أمه من الفتيات التي أراد إحداهن له، بل سابق الخُطى لخطبتها دون غيرها، بل لم يعزم على الزواج إلا بسببها، وقد سلبت حواسه وتربعت على عرش قلبه، لم يتخيل أن يعيش مع سواها، ولم يأل جهداً في مسارعته لخطبتها، وتمضي الأيام تباعاً وتزف حبيبته إلى بيته، محمولة على كتفيه هو وأمه، تبدو البشاشة والفرحة طافية على وجههما، في حين لم تبد إلا ابتسامة باردة متجهمة، وسرعان ما انقلب النعيم الخافق إلى جحيم مارق، وانغلقت الحياة على الرجل المسكين والأم الضعيفة، والتوت الأفعى بأنواع الحيل والمكائد، وكأنها خلقت لهذه الغاية المشئومة، ووسط اعتصار الأفعى لرقبة الضحية المسكين، وجد نفسه في اصطراع مع قلبه الحنون، ارتأت روحه وقد تملكها الزوجة الرعناء أن يقع في صدامات مع أمه الطيبة، والتي ما فتئت تستميت في حماية بيتها والذود عن وحيدها، وبدت مساعيها مخيبة النجاح، فظل الابن يتقلّب في حاله ويتدحرج في سلوكه، ويزيد في تعنيفه ولومه على أمه، وأدان البساط لزوجه لتتحكم بزمام الأمور، وضاقت الأمور مع تعاقب الأيام وتواليها، فلم يجد الابن المخدوع بُداً من إقصاء أحد المتناحرين، وقد بدت جبهة زوجه في تلك اللحظات هي الأقوى، واستكانت أمه لهذا الطرد وقد تمزق قلبها، وهي ترى وليدها الحبيب يقذفها خارج منزله، وفي غمرة دفعها تترنح الأم من هول الصدمة وتقع على الأرض هامدة دون حراك، أفاق الابن من غفلته وانقشعت الغشاوة من عينيه، شاهد من حملته بين ذراعيها وبذلت له مهجة طاقتها وأودت لأجله بحياتها الفتية، وجدها مرمية على البلاط المرمري لا تتحرك، وقد اعتاد منها النشاط والحراك، ورأى دمعة تنسل من عينها تنحدر على وجنتها قبل أن ترتطم بالأرض وكأنها شوكة يغرس رأسها في قلبه، وقف مشدوهاً حائراً، أحس بظلمة الحياة تخنقه، أحس بطوق من نار يعتصر عنقه، لا يدري كيف غابت عينيه عن أنوار أمه، أحُبست عيناه عن مشاهدة ذلك الوجه المتفجر طيبة وحنواً؟، كيف تملّكته الغفلة عن حب أمه وشغفه بها؟، كيف توارى عن أفعال زوجته. أحمد بن خالد العبد القادر