عبدالله بن بندر يستعرض برنامج تطوير العمل ب«الداخلية»    أمير مكة يتسلَّم التقرير السنوي لهيئة الأرصاد    عزاء أسرة خاشقجي يفضح المتربصين    «الإسكان» تطلق مبادرة «دعم العسكريين» و35300 مستفيد من الدفعة ال 11    تعديل مسمى الكلية التقنية للغذاء والبيئة ببريدة    وظائف نسائية ب«الدفاع المدني»    النائب العام: اتهام 11 موقوفا في قضية مقتل خاشقجي    النيابة العامة تكشف التفاصيل وتخرس الأبواق    القوات السعودية تختتم مشاركتها في «درع العرب» و«الجوي الصاروخي»    «حقوق الإنسان»: بيان النيابة عن «قضية خاشقجي» خطوة مهمة لتحقيق العدالة    من يسدد فاتورة التاريخ.. السلطة أم الدولة؟!    الأخضر في اختبار «اليمن»    الأهلي وين واتحادكم وين؟    اتحاد الرياضات اللاسلكية يناقش استعداداته للجنادرية    خادم الحرمين الشريفين.. وزيارات الخير والنماء    خميس مشيط: القصاص من قاتل الروقي    طلاب جدة مع الأمطار: «لاني مقيد ولا مفكوك»    “أهلاً بالغالين” ينهي المرحلة التحضيرية للمشاركة في اليوم العالمي للإعاقة    بيان توضيحي من أمانة منطقة عسير عن إغلاق عدد من مقاهي الشيشة المخالفة بأبها    «عكاظ» تكشف تفاصيل مقتل «صيدلي» على يد «معتل نفسي» في جازان    استقبال حافل لأشبال تعليم وادي الدواسر بمناسبة حصولهم على المركز الثاني على مستوى المملكة    «تجمعات المياه» تربك الحركة المرورية ومطالب بسرعة السحب    ورشة لصياغة مبادرات جائزة جدة للإبداع    خدعوها.. !    الثقافة والفنون وجودة الحياة    القرية السعودية ” سامريات ” تفتح ابوابها الشتوية بالرياض    مسرح الاحساء حصد 6 جوائز    أسراب الذباب تغزو أحياء جدة.. "الأمانة": خطة طوارئ و2000 عامل ومشرف لمكافحة الحشرات    مازال للأحلام بقية    «هدية» في ملتقى دور القيادات المدرسية في التحول الوطني    المرأة منارة المجتمع    العمل التطوعي في خدمة الحرمين الشريفين    النوم قرب الجوال.. من أخطر الأعمال!    تدشين فعاليات اليوم العالمي للأشعة بالأحساء    بحثاً عن الأضواء!    10 جمعيات عالمية تشارك في مؤتمر «العمود الفقري»    محافظ ينبع يدشن حملة التطعيم ضد الأنفلونزا    فيديو.. محمد عبده يقضي إجازته في نيوم    العيسى: البيان جاء على منهج المملكة في الصدق والحزم    استخدام تقنية ال VAR في مباريات كأس آسيا 2019    الجبير: التوجيهات واضحة بمحاسبة المتورطين في جريمة قتل خاشقجي ونرفض محاولة تسيس القضية    الأردن: توجيه النيابة العامة التهم للموقوفين في قضية خاشقجي خطوة مهمة لتحقيق العدالة    أمير الرياض: على وزارة الإسكان مراقبة عمل القطاع الخاص ومنعه من استغلال المواطنين    برامج تقنية لتطوير خدمات إمارات المناطق    متحدثون دوليون ب"مسك": الشباب أكبر مصدر للحلول وتغيير العالم    رابطة العالم الإسلامي: بيان النيابة العامة جاء على منهج المملكة في صدق اللهجة والحزم    هيئة كبار العلماء: الجهاز العدلي في المملكة ماضٍ في تحقيق العدالة ومحاسبة أي متورط في قضية «خاشقجي»    "فيفا" يحقق مع "تشيلسي" لتعاقده مع لاعبينأجانب أقل من 18 عاما    الهلال يكشف عن اللاعبين الراحلين عن الفريق في فترة الانتقالات الشتوية    وزارة العمل توضح الشروط اللازمة للحصول على إصدار رخص العمل بغرض الخروج النهائي    خطورة تناول الوجبات قبل الذهاب إلى النوم    بالفيديو.. كلمة الأمير محمد بن سلمان لأسر الشهداء    زيارات ميدانية لطلاب معهد طيبة العالي بمنطقة عسير    ميناء جدة يسجل رقماً قياسياً برسو 37 سفينة بالميناء في آن واحد    حالة الطقس المتوقعة اليوم الخميس في المملكة    أمير نجران يستقبل مدير جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية    المملكة تعرض تجربتها في عملية تسجيل الناخبين    878 خريجا من مركز التدريب البحري بجدة إلى ميدان العز    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.





الخروج الصعب من مرآة الشعر
نشر في الحياة يوم 22 - 08 - 2009

بين ديوان الشاعر السعودي فيصل أكرم الأول «الخروج من المرآة» (1997) والديوان الأخير «شربنا من الكون حتى العدم» (دار الفارابي، بيروت 2009) قوس من الأعمال الشعرية، يلوح لي أنه يميل نحو الداخل. فهنا شاعر ذاتي، مهما تعددت اشاراته الى الآخرين والعالم من حوله، ترى مياهه تجرفه بالنتيجة الى ذاته، وأكاد أقول بالضرورة، بسبب المركزية القوية لهذه الذات، ففي صحنها تنحلّ كيمياءات الخارج مهما تباعدت وتنوّعت...
ولعلّ في عنوان الديوان الأول «الخروج الصعب من المرآة» ما يشي بهذه الخصوصية في شعر فيصل أكرم، فالشعر عنده انعكاس لأشعة الخارج في مرآة الداخل، ونادراً ما كان يخرج من مرآته... في ذلك ما فيه من تحويل الشعر الى ما يشبه السيرة الذاتية، أو المونولوغ الداخلي، وربما وجدنا صراعاً للفكاك من الأنوية... حين يدخل آخر ما، أو آخرون، لرسم هوية الشاعر في القصيدة، ذلك ما نراه في موقعين بارزين في مجموعته الجديدة: الموقع الأول تذكر الشاعر نفسه طفلاً يسير الى جانب أخيه الكبير، واسمه كما يظهر في الإهداء والقصيدة الأولى (حسن)، و«حسن» على ما يلوح في السيرة، ابتعد طويلاً عن شقيقه ثم مات منسياً ومجهولاً... وترك الشاعر وحيداً يبحث عن نصفه المفقود، بل يبحث عن شمسه وظله في آن... حتى ذا وجده، وجده في موقع الفقدان (الموت)... يقول الشاعر: «... لم نرَ بعضنا ربع قرن، حتى إذا مات أحدنا...». لم يقل له «... حتى إذا مُتَّ...» بل ترك الموت قاسماً مشتركاً بين الاثنين، في حين أنه مختصّ بالشقيق لا بالشاعر، لكنهما يتقاسمانه في القصيدة بل يتوحدان معاًَ فيه يقول: «أنا وأنت فقط/ شربنا من الكون حتى العدم».
وشريط ذكرياته مع أخيه الغائب الحي الميت، يستعيده وكأنه مسحوب من كتفيه ظلاً، ثم يتخيّله وقد لوّح من بعيد عائداً... هنا «الآخر» حين يتدخّل في توليد القصيدة، هو شقّ الذات أو شقيقها، ولا آخر في الحقيقة، بل الذات تنقسم وتلتحم، وتحاور نفسها، وتسأل وتشك وتتألّم. حتى لكأن الشاعر يساوي تكسّرات الأمواج على صخوره، أو وشوشة الرياح لنفسها، أو هذيان ذاتي وعذاب ذاتي وهو أشدّ أنواع العذاب.
يسوق ذلك الى تهويمات كثيرة، ففي قصيدة بعنوان «لا شكّ أنك لست أنت»، نرى الشاعر كما لو هو يطير داخل غرفة مقفلة من مرايا، ويضرب رأسه بها مثل نحلة مجنونة... وحين يتوهّم أنّ ثمة سواه في غرفة المرايا الزجاجية المغلقة هذه، يستيقظ أخيراً على وحدته الوحيدة: «... أنت تعرفها المرايا/ كم بسطوتها اصطدمت/ وبرغم أنفك أنتَ وحدكَ/ لا قُتِلتَ ولا قَتَلت»...
ومن تهويمات الوحدة، الانقسام أو التشظّي، والشك، وذاك التوهان أو الضياع والذهول لا عن العالم والخارج وحده، بل عن مركزه الكائن في الذات. يقول: «لا شكّ أنكَ لستَ أنت/ ولست شيطاناً ولا حتى ملاك.../ فكيف تمشي حول ذاكرةٍ سنيناً، ثم وحدك، ثم تنظر/ ثم ماذا سوف تشعر».
والخطاب، وإن كان يحتلم انه خطاب الشاعر لنصفه الضائع الميت، إلا أنه أيضاً خطابه لذاته المتشظّية والمتهالكة والضائعة أيضاً في المتاهة، من حيث لا دليل. يتكئ الشاعر في قصيدة بعنوان «عودة الى متاهات صغيرة» على قول لأنطون تشيخوف: «جئت بالأمس فأزعجكتم يا صاحب السعادة، لا لكي أسخر منكم كما تفضلتم سعادتكم فقلتم، بل كنت أعتذر لأني عطست قبالتكم». ولا يخرج فيها عن سيرته في التخاطب مع نفسه. ويسأل: «... فهل كنت مثلي؟»، والمسؤول هو نفسه السائل. والحوار حول المتاهات الصغيرة أو العذابات الصغيرة والشخصية بافتراض آخرين. وثمة ما يشبه تعذيب الذات، أو الاقتصاص منها كأن يقول: «ومن دون ذنبٍ ستجرح نفسك/ ترفع عن كتفيك الأكفّ/ وتدفن بين يديك الأصابع».
وثمة أيضاً تعب واضح، من تكرار العذاب أو المتاهات: «سوف تعود المتاهات فينا»/ «تعبنا؟ نعمْ/ شربنا من الكون حتى العدم».
وهنا إشارة لعلها في هذه الجملة الشعرية، الى عنوان كتاب جان بول سارتر «الكائن والعدم»، إلا أن حيرة الشاعر، ليست وجودية بكل حال، بل هي حيرة نفسية ذاتية، ذاك أن الشاعر غنائي في مجمل قصائده. وأحزانه وحبه وذكرياته تدور في هذا الفلك الإيقاعي من الغنائية، فهو يستعين بمراكب الوزن والتفعيلة المفردة، ليسافر على مياه القصيدة الغنائية، ويستخدم لها مجاديف من الترجيع والاستعادة، ويذرع بها مياهاً سالكة وناعمة على رغم توتّر المعنى أو شكوكه أو ذاتيته القلقة: «... فيا ويلاه من ليلي/ ويا ويلاهُ من صبحي/ ومن أمسي...»/ سدى سميتها نفسي».
ويطلب خلاصاً على امتداد الجسد، وهيهات. فثمة ما يفيض عن الجسد والنفس معاً من رهانات صغيرة خاسرة، ومتاهات، وهو يسأل نفسه: «هل كان يدور حول نفسه؟» (من قصيدة «ذكرى لعينيك أيها الناسي»). ونستطيع أن نفترض، في مجمل مخاطبات الشاعر لذاته، أو لشبيهه أو نصفه المفقود (أخيه) أنه يحاول احتمالات «الأنا»... مَن هي؟ وأين هي؟ ما حدودها؟ ما أشباهها؟ وهل يجدها في مرآة الذات أم في مرايا أخرى؟
قلنا إننا نرى في موقعين بارزين من الديوان، أنويّة الشاعر: الموقع الأوّل حواراته التي لا تنقطع مع الذات، أو مع شقه الضائع الميت (أخ). أما الموقع الآخر فهو ما نسميه موقع «الأشباه»، والأشباه، على ما يلوح لي، جملة أصدقاء صعاليك ممن يذكرهم في قصيدة بعنوان «نشيد العشّاق الجدد». والقصيدة هذه مستعادة كاملة من ديوان سابق كان صدر للشاعر عام 2000.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.