غالبية الكتل النيابية التي التقاها الرئيس المكلف تشكيل حكومة لبنان سعد الحريري هي نفسها تقريباً التي كان يلتقيها والده الراحل الرئيس رفيق الحريري. بعضها ربما يلتقيه الرئيس الشاب للمرة الأولى مع أنها عملت في ظل الوالد ومعه، وبعضها الآخر لم يكن عضواً في الندوة النيابية، ففرصة دخوله الندوة أتاحتها له الانتفاضة التي أعقبت اغتيال الوالد، التي لم تسمح فقط بدخول «مضطهدين» الى مجلس النواب اللبناني بل أنها حررت لبنان في المبدأ، من الوصاية. ولا شك أن الرئيس الإبن كان يستعيد في ذهنه وهو يستمع الى آراء الكتل النيابية ومطالبها شريطاً عميقاً من الانطباعات والذكريات. هنا في الكرسي نفسه جلس رفيق الحريري على مدى عقد ونيف يبتسم للوجوه اياها (اغلبها) ويستمع الى مطالبها قبل أن يخضع تلك المطالب الى مشاورات ومساومات ينتج عنها تشكيلات حكومية، اقتحم معها و «ضدها» أبواب الخروج من آثار الحرب (1975 - 1990). وهنا أيضاً، أمام تلك الوجوه، حدّق رفيق الحريري الى المستقبل، فقاد محاصرة الحصار الاسرائيلي لوطنه، بعلاقاته العربية والدولية الواسعة، فكان أحد أعمدة ارساء «تفاهم نيسان» رداً على العدوان الاسرائيلي في عام 1996، الذي أعطى المقاومة اللبنانية، وتحديداً «حزب الله»، حقاً شرعياً دولياً بالرد على الاعتداءات الاسرائيلية خصوصاً اذا استهدفت المدنيين، واستطراداً حق مواجهة جيش الاحتلال على الأرض اللبنانية المحتلة. ومع انحسار الأوهام في شأن السلام القادم الى الشرق الأوسط في أعقاب مؤتمر مدريد، ومجيء بنيامين ناتانياهو الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية (1996 - 1999) لاحق رفيق الحريري الزعيم الاسرائيلي المتطرف الى الأممالمتحدة، وقاد في 1998 حملة على رأس وفد ضم يومها خصوصاً الرئيس فؤاد السنيورة، ضد المنحى الخطير الذي يمثله وجود أشخاص مثل ناتانياهو في قمة القيادة الاسرائيلية، ونجح رفيق الحريري في تطويق الأخطار المحتملة، عبر حملة لقاءات شملت الرئيس بيل كلينتون في مقر اقامته في نيويورك، وأسس ذلك النجاح والعمل السياسي الديبلوماسي الهائل لاندحار الاسرائيليين تحت ضربات المقاومة فتحقق انسحابهم من لبنان بعد أقل من عامين (أيار - مايو 2000). يومها، وعندما علم الرئيس الراحل من بعض أعضاء الوفد المرافق أنهم اصطدموا وجهاً لوجه مع ناتانياهو في أحد ممرات مبنى الأممالمتحدة، قال لهم: وماذا فعلتم؟ أليس في عروقكم دماء؟... ربما هي صدفة أن يتولى سعد الحريري رئاسة الحكومة وقد سبقه ناتانياهو الى ترؤس ما سمي أكثر الحكومات الاسرائيلية تطرفاً، وهو إذ يستعيد شريط الذكريات سيستعين بتراث الوطنية الضخم الذي أرساه والده، وسيعني كل حرف يقوله وقاله في ختام لقاءات الوجوه التي يعرفها والتي سيتعرف اليها مجدداً، فكان طبيعياً احتلال الوحدة الوطنية أولوية مطلقة في خطابه، في مواجهة من اعتاد العمل على شرذمة لبنان وحاول غزوه واحتلاله على مدى عقود. في لقاءات الوجوه، مرايا كثيرة تعكس لمحات ومحطات حقيقية من تلك الأيام، وفيها مرايا مقعّرة لا تقدم الصورة الصافية، لكنها وجوه في أحجامها الطبيعية، لأن سنوات الموت التي أعقبت الاغتيال - الزلزال انتجت حقائقها. ربما كان رفيق الحريري يعتقد أن بلداً مشرذماً قسمته الحروب والنزاعات يمكن اعادته الى حياة سياسية سوية عبر الإعمار والبناء واطلاق النمو الاقتصادي. هو كان يعلم أن القرار السياسي و«الكل المعطل» لا الثلث، موجود في مكان آخر، لذلك انصرف الى بناء جسور من شتى الأنواع، جسور طرق وجسور تنمية وجسوراً سياسية لم يتعب من محاولة تثبيتها حتى مع الخصوم، وعشية لحظة استثمار كل تلك الجهود في السياسة اغتيل عشية انتخابات 2005. سعد الحريري، في المقابل، المحمل بكل إرث والده، يخط بداية جديدة مختلفة ومغايرة. انه يبدأ من السياسة ليصل الى البناء. هو الآن بعد أكثر من 4 سنوات على الجريمة وجهاً لوجه أمام انقسامات الداخل السياسية في امتداداتها وارتباطاتها، لكنه متحرر الى حد كبير من الوجود العسكري المباشر للقوى الخارجية، وهو تمكن في السياسة وعلى مدى هذه السنوات الأربع من نسج تحالفات قادته الى تحقيق فوز مرموق في انتخابات نيابية قبل الجميع بقانونها وبنتائجها. نقطة البداية بالنسبة الى دولة رئيس مجلس الوزراء الجديد هي في الموقف السياسي الاستقلالي الوطني الديموقراطي الذي حدد موقعه وجاء به على راس أكبر كتلة نيابية. من نَسْجِ الاطار السياسي العام يبدأ الحريري الابن مهمته الصعبة في ترؤس وقيادة ما يمكن تسميته بحكومة العهد الأولى، بعد المرحلة الانتقالية القاسية، وهو منذ اعلان نتائج الانتخابات في السابع من حزيران(يونيو)، ثم في بيان قبول التكليف وبعد انتهاء مشاوراته مع الكتل، كان دقيقاً في رسم أولويات رؤيته السياسية، مبتعداً عن الدخول في تفاصيل مطالب الكتل والنواب الخاصة بالحصص أو بالمشاركة، وهي عناوين لمطلب واحد تخطاه سعد الحريري الى: كيف نوحد جهودنا لمواجهة التحديات الاسرائيلية وكيف نعمل سوياً لانهاض مؤسساتنا الدستورية واطلاق اقتصادنا الوطني. انها البداية الصحيحة مهما كانت نتيجة جهود التأليف، فتحت السقف الوطني العالي سيصعب على أي كان أن يحوّل مطالبه الخاصة الى شأن عام، وهنا بالتأكيد سر قوة الحريري ومبعث قدرته على عبور الامتحان بنجاح. * صحافي من أسرة «الحياة».