رئيس الجمهورية العربية السورية يغادر جدة    أمير الجوف يناقش استعدادات الجهات المشاركة في الحج    وزير الدفاع يبحث مع كروسيتو الشراكة السعودية - الإيطالية    منظومة البيئة في مكة تتجهز لموسم الحج    الذهب يتراجع مع ارتفاع الدولار.. والأسهم الأوروبية تنتعش    «البيئة» تعيد هيكلة التحالف السعودي للتقنيات الزراعية    خمسة شهداء في خروقات إسرائيلية في غزة وتكلفة الإعمار تُقدر ب71.4 مليار دولار    ولي العهد يستعرض مع الرئيس السوري أوجه العلاقات وفرص دعمها    «بيئة جازان» تنفذ9401 جولة رقابية    "الشؤون الإسلامية" تختتم مسابقة القرآن الكريم في كوسوفو    الشؤون الدينية للحرمين تستقبل طلائع الحجاج    سعود بن نايف يدفع ب3464 متدرباً لسوق العمل    ترمب يعلن تمديد وقف إطلاق النار مع إيران    إدانة عربية لمخطط استهداف المساس بالوحدة الوطنية.. السعودية تؤيد إجراءات الإمارات لتحقيق الأمن والاستقرار    "ما كنت معاهم بالغرفة"!    مضيق هرمز يحدد مستقبل وشكل النظامين الإقليمي والدولي    أكد مواجهة التحديات الراهنة.. البديوي: التكامل الخليجي ركيزة أساسية لحماية المكتسبات التنموية    وزير الدفاع يلتقي وزير الدفاع الإيطالي    في ختام الجولة 30 من يلو.. الفيصلي والعروبة يسعيان لنقاط جدة والزلفي    في نصف نهائي دوري أبطال آسيا 2.. النصر يواجه الأهلي القطري في دبي    تخطى شباب الأهلي بهدف وحيد.. ماتشيدا يضرب موعداً نارياً مع الأهلي في نهائي النخبة الآسيوية    مبابي وفينيسيوس ينقذان ريال مدريد من فخ آلافيس    الأهلي: لن يتم توزيع تذاكر مجانية في نهائي «نخبة آسيا»    موجز    "الداخلية" تدعو للإبلاغ عن كل من ينقل مخالفي أنظمة الحج    رحب باسم خادم الحرمين بوصول ضيوف الرحمن.. ولي العهد مترئساً مجلس الوزراء: تسخير الإمكانات والقدرات لإنجاح خطط موسم الحج    بوصلة السماء    أودية وشعاب الأسياح.. لوحة طبيعية ريفية    «القيثاريات» تزين سماء السعودية والوطن العربي    دعوة للمواهب لتشكيل فرقة للفنون الأدائية    الرواية المفضلة عند بعض الروائيين    موسيقى العُلا تبدأ من الطريق..    محاربة الصحراء.. حين تتشكّل الهوية في لحظة المواجهة    مدينة غامضة تحت المحيط    وفاة الفنانة حياة الفهد بعد معاناة مع المرض    السعودية تعزز حركة التجارة العالمية    ترسية عقدين للمرافق الأساسية.. إكسبو 2030 الرياض.. التزام راسخ بالاستدامة والابتكار    المملكة تُدشّن رابع منافذ مبادرة "طريق مكة" بمدينة ماكاسار في جمهورية إندونيسيا    مؤشرات لونية توضح كثافة المطاف والمسعى    تخريج دفعة جديدة من كلية الملك عبدالعزيز الحربية    إدارة الأطباء ومغالطة جديدة    ضمادة ذكية تعالج جروح السكري    الهلال الأحمر بعسير يؤهل الفريق الكشفي المشارك في حج 1447ه    نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم    15 طلب توصيل كل ثانية بالمملكة    "يمناكم " بجازان توقّع اتفاقية مجتمعية مع دعوي صبيا"    موقف رونالدو من تعاقد النصر مع محمد صلاح        استقبال طلائع الحجاج بمكة وخدمة جديدة للمعتمرين    البلديات توضح آليات المهلة التصحيحية للاشتراطات    ولي العهد والرئيس السوري يبحثان سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطويرها    شراكة تدريبية بين يد ترعاك لتطوير المهارات ومركز رفيل للتدريب    السعودية تشيد بكفاءة الأجهزة الأمنية الإماراتية في تفكيك تنظيم إرهابي استهدف الوحدة الوطنية    أمير المدينة يدشّن متحف «خير الخلق -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-»    رئيس مجلس السيادة الانتقالي في جمهورية السودان يصل إلى جدة    طفلتان حديثتا ولادة تغادران العناية المركزة بمستشفى الدكتور سليمان الحبيب بالخرج بعد «90» يوماً من الرعاية المكثفة    أبرز الإخفاقات الطبية (6)    أمير منطقة جازان يستقبل القنصل العام لجمهورية غانا    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حجارة وتهويش كلاب ومستوطنون لترحيل أهل الكهوف في الخليل
نشر في الحياة يوم 06 - 12 - 2004

اساليب كثيرة يستخدمها الاحتلال الاسرائيلي والمستوطنون اليهود ضد 3500 فلسطيني يسكنون في أراضيهم في جبال الخليل، والهدف نهب 30 ألف دونم أرض يملكونها، قبل انشاء اسرائيل.
الساعة تجاوزت الثانية عشرة بعد منتصف الليل. والسكون يخيم على منطقة سكن عائلة سالم الهزالين. البيت، عفواً، الكهف الذي تسكنه العائلة غير قادر على منع دخول برد تشرين ليشاركها حياتها. لكن العائلة اعتادت على تحمل هذه الاجواء، ولدى خلودها الى النوم لا تفكر في أي خوف من عواقب العاصفة البردية لأن خوفها من الاعتداءات التي تتعرض لها بشكل متواصل من المستوطنين هو الذي بات يسيطر على تفكيرها.
الوالد كان لا يزال يقظاً عندما تعالت أصوات غرباء يقتربون من المكان وضجيج سيارات ضخمة قادرة على اجتياز الوحول التي خلفتها الامطار الغزيرة في ذلك اليوم.
- "هذه ليلتنا، قلت للعائلة وأيقظت زوجتي"، وأضاف: "انهم المستوطنون الذين يواظبون على إزعاجنا هكذا لمجرد الازعاج والاستفزاز".
وما هي إلا ثوان حتى تعالت الصرخات في الخارج والضرب على باب الكهف ثم دخل احدهم: كان مستوطناً. نراه كل يوم امام بيته المحاذي لأرضنا. دخل يصرخ ويأمر الاطفال والكبار وزوجتي بمغادرة الكهف لتفتيشه. كان يرافقه جندي ولا غرابة بذلك فالاعتداءات علينا تنفذ من قبل الطرفين، وهذا المستوطن وصل بسيارة جيب تابعة للجيش وكانت تنتظر في الخارج وفيها خمسة اشخاص على الاقل.
"الطقس بارد ولا يمكن للاطفال ان يخرجوا؟"، صرخت الزوجة رافضة الامتثال لأوامرهم. لكن جندياً أمسك أحد أبنائنا ودفعه باتجاه الباب لمغادرة المكان، وخوفا من الاعتداء عليها وعلى أولادها اضطرت الى الخروج مع أولادها.
"لم تكن هناك حاجة لعملية التفتيش هذه"، قال صاحب الكهف واضاف: "لكنهم يقومون بها بشكل متواصل لمضايقتنا وازعاجنا. فقد عبثوا بمحتويات البيت ولم يتركوا شيئاً مكانه. ثم خلال فترة قصيرة غادروا المكان. ولما سألناهم عن دوافع تصرفاتهم هذه، قالوا: اجراءات أمنية. ان لم يعجبك ارحل".
ارحل... هي الرسالة التي تبثها اسرائيل منذ اكثر من أربعين عاما لهذه العائلات، التي لم ترتكب ذنباً سوى انها تصر على التمسك بأرضها التي تملكها قبل قيام "اسرائيل".
وعائلة الهزالين واحدة من عشرات العائلات الفلسطينية المعروفة ب"سكان خرب يطا" التي تسكن جبال الخليل التي احتلت في العام 1967، في كهوف وبيوت من القصدير. فهي غير قادرة على بناء بيت لرفض اسرائيل السماح لهم بذلك بذريعة ان الارض ليست ملكا لهذه العائلات.
بيوت منتشرة على مساحة شاسعة تتجاوز ثلاثين الف دونم. وبالنسبة الى اسرائيل هي واحدة من المناطق الاستراتيجية المهمة التي تفصل بين حزام المستوطنات الذي اقامته في المكان وبين الخط الاخضر. والسيطرة عليها ستسهل عملية توسيع المستوطنات التي اقيمت على مساحة من هذه الاراضي.
عدد السكان لا يتجاوز 3500 فلسطيني. اكثر من نصفهم يسكنون في أربعة تجمعات بدوية.
الوصول الى هذه الخرب عبر "يطا" ليس صعباً. فالمحطة التي تلي "يطا" هي المستوطنات اليهودية، ذات الشوارع الواسعة حيث الاشجار على جانبي الأرصفة والحدائق والشارات التي تهديك الى أي مكان تريده. وخلال مرورك بالمكان تصادف كل ما يمكن توفيره لرفاهية السكان.
وما هي سوى امتار قليلة حتى تطمئن الى انك وصلت الى الهدف على رغم انك لا تصادف أي اشارة تحمل اسم المجمع البدوي او "خربة يطا"، ولكن يكفي ان تبدأ سيارتك تتمايل او تقع في حفرة هنا أو هناك وهي تسير على شارع، الذي هو في الاصل ليس شارعا بل طريق ترابي، حتى تدرك انك تدخل الى بلدة فلسطينية تعيش حالاً من الإهمال الشديد.
البراكيات منتشرة في المكان والمغر تكثر في مسافات بعيدة بين الواحدة والاخرى. طفل يلعب في حفرة ماء صنعتها طبيعة الارض من الامطار الغزيرة التي هطلت في الايام الاخيرة، وفتى تجاوز الثالثة عشرة، يتخذ من الصخرة مقعداً يتأمل سيارة ضيوفهم ويده على خده، بدلاً من ان يجلس على مقعد الدراسة الذي يحرم منه لأيام طويلة لسبب لا ذنب له فيه. اما المواشي فمنتشرة في كل مكان. وهناك مساحة من الارض استغلها الفلسطينيون للزراعة.
صحيح ان الاطفال يرتدون ملابس رثة ولا تظهر النظافة على اجسادهم لكن ذلك لا يعني ان هذه العائلات فقيرة، وهم لا يتحدثون عن الفقر على رغم ان حزام المستوطنات الذي يفصلهم عن "يطا" والحواجز العسكرية التي تمنعهم من التنقل لا يوفران لهم امكانية العمل. ولكن القطيع الذي يملكونه والارض الزراعية يكفيان لضمان عيشة مستورة.
غيتو فلسطيني
مشكلة هذه الشريحة الصغيرة - الكبيرة من الفلسطينيين بدأت مع بداية أطماع اسرائيل في الأرض الفلسطينية ومخططات الاستيطان في تلك المنطقة المجاورة لمدينة الخليل.
هي شريحة صغيرة لأن عددها لا يتجاوز 3500 شخص، لكنها كبيرة لامتلاكها أكثر من 30 الف دونم تدير عليها معركة صعبة بالإصرار على حقها في ملكها وتطالب بالسماح لها باستغلال الأرض لكل الحاجات المطلوبة وقبل كل شيء حقها في البناء والعيش في بيوت بعيداً عن المغر والخرب وبراكيات "الزينكو" و"بيوت الشعر" التي تسبب المشاكل الصحية الكثيرة.
هذه المطالب أساسية، لكنها ليست الوحيدة فهم يعيشون في غيتو تحاصرهم مستوطنات "ماعون" و"سوسيا" و"كرمل" و"الاسيفر" وتمنعهم من التنقل والعمل والتعليم. وهم لا يعرفون اي جهة يمكنها مساعدتهم. رسميا هم تابعون لاسرائيل لان منطقة سكنهم محددة بالمنطقة "ج"، حسب اتفاقات اوسلو، اي في المناطق الخاضعة أمنياً للسلطة الاسرائيلية. لكن هذه السلطة لا تعترف بهم ولا تقدم لهم الخدمات. والسلطة الفلسطينية، وهم غير تابعين لها، فهي عاجزة عن توفير المتطلبات الاساسية لهم والمحاولات القليلة التي قام بها المجلس القروي التابع لمحافظة الخليل في شق طريق على الأقل باءت بالفشل لعدم توفر المواصلات ومنع المستوطنين وصول السيارات والحافلات للعمل هناك. ويقول رئيس المجلس القروي ابراهيم الهدالين ل"الوسط" ان المجلس قدم طلبات رسمية للسلطات الاسرائيلية للسماح له بادخال المعدات والحافلات لإنشاء الشارع، لكن الطلبات بقيت في ارشيف المراسلات وفي كل محاولة لشق الشارع كان الجيش يمنعهم ويحتجز الجرافات. ويضيف محدثنا: "منذ العام 1981 بدأت المشكلة تتفاقم عندما اقيمت مستوطنة "ماعون" وهي مستوطنة صغيرة جداً ومساحتها كبناء لا يتجاوز مئة دونم، لكنها صادرت آلاف الدونمات من أراضي الفلسطينيين كمحمية للمستوطنة ومنعت وصول الفلسطينيين الى البيوت. وفي كل مرة حاول الفلسطينيون، سكان الخرب دخول أراضيهم لفلاحتها والعمل فيها كانوا يتعرضون لاعتداءات المستوطنين، ما حرمهم من مصدر رزق أساسي لهم. ولما حاول بعضهم الوصول الى "يطا" للعمل تعرض للاعتداءات بكل اشكالها: الحجارة والملاحقة والضرب بالعصي، ثم طوروا اساليب اعتداءاتهم بإحضار الكلاب لملاحقة الفلسطينيين وإلحاق الأذى بهم".
في ظل المحاولات الاسرائيلية الاستيلاء على الارض لم يحصل سكان الخرب على الكهرباء والماء ولا على أي نوع من الخدمات، وما زال كثيرون منهم يستعملون القناديل.
بعض هذه العائلات التي تعيش أوضاعاً اقتصادية أفضل من غيرها وجد الحل لمشاكله بشراء بيوت في الخليل وبلدات فلسطينية قريبة من اراضيه. ولكن بعد المحاولات الاسرائيلية للاستيلاء على الأراضي المهجورة اضطرت هذه العائلات للعودة بين الفينة والاخرى الى المغر والخرب، على رغم الظروف القاسية، لإثبات وجودهم ومنع مصادرة الارض. إلا ان مخططا اسرائيلياً نفذ قبل سنوات لضمان أمن المستوطنين بشق شارع يفصل بين هذه الخرب والمستوطنات مخصص للمستوطنين اليهود فقط، ضاعف من معاناة السكان ومنع اصحاب البيوت في الخليل من الوصول في اي وقت الى الخرب، ما اضطرهم الى العودة مرة اخرى للسكن في هذه المغر والخرب حتى لا تكون عملية السيطرة عليها سهلة من قبل الاسرائيليين، وعادوا لينضموا نهائيا الى معاناة بقية سكان المنطقة.
وكما تتصرف الحكومة الاسرائيلية في سيطرتها على الاراضي الفلسطينية وبعد فشلها بالاستيلاء على ارض سكان الخرب، قررت اعلان المنطقة "عسكرية لاهداف أمنية" واصدرت أوامر اخلاء فورية للأرض. كان ذلك قبل خمس سنوات ومنذ ذلك الوقت انتقلت المشكلة الى القضاء بعد الالتماس الذي قدمه أصحاب الأراضي الى المحكمة العليا. وحتى اليوم ما زال الملف قيد البحث، وفي المقابل تزداد مضايقات المستوطنين وتتضاعف معاناة السكان.
ويقول المحامي، شلومو ليكر الذي يمثل أصحاب الاراضي في المحكمة: "خمس سنوات والعائلات تعيش معركة حقيقية للحفاظ على أراضيها، فما قامت به اسرائيل من جعل المنطقة عسكرية بهدف الاستيلاء عليها هو تصرف غير قانوني وينافي اتفاقيات جنيف حول حقوق الانسان. أما قول الحكومة انها أصدرت قرارها لأهداف أمنية فهو أمر غير صحيح، لان القضية واضحة كالشمس إنها سياسية محض. فالحديث هو عن ثلاثين الف دونم لسكان يحملون الوثائق التي تثبت حقهم في الأرض. وفي اللحظة الاولى التي سيضطرون فيها لتنفيذ أوامر الإخلاء ستتم السيطرة عليها وتخصيصها للاستيطان، وطبعا بشكل غير قانوني. بموجب اتفاقيات السلام فإن جزءاً من هذه الأرض ستنضم لاسرائيل على اعتبار انها محمية طبيعية، ما جعل الذريعة الاسرائيلية للاستيلاء أسهل، لكن القضية كلها اليوم متعلقة بقرار المحكمة العليا التي لم تحدد موعداً للجلسة التي تعلن فيها عن قرارها".
أما المحامي موسى مخامرة من لجنة الدفاع عن الاراضي فيقول ان المعركة على هذه الارض مصيرية بالنسبة الى اصحابها وهي معركة بقاء بكل ما تعنيه الكلمة، ويضيف: "مسلسل معاناة الفلسطينيين لا ينتهي، وطالما لا يوجد اي قرار من المحكمة الاسرائيلية فإن اليد الاسرائيلية ستبقى تتحرك من قبل الجيش والمستوطنين لمضاعفة المعاناة وتيئيس السكان واضطرارهم الى الرحيل. وما يجري حاليا ليس سوى محاولات لإرغام الناس على الرحيل القسري".
ويروي مخامرة احدى المحاولات التي قام فيها الجيش بإلزام السكان على الصعود الى سياراته العسكرية، السنة الماضية، في موسم الشتاء وأيام العواصف والبرد القارس ويقول: "جاءت سيارات عدة ونقلت السكان الى مكان بعيد عن بيوتهم بذريعة الأوامر العسكرية. كان الطقس بارداً وماطراً واضطر الفلسطينيون الى نصب الخيام على طرف المنطقة المجاورة لبيوتهم لأيام عدة حتى تمكنت لجان وجمعيات، بينها لجنة الدفاع عن الاراضي من إعادتهم الى بيوتهم.
مناطق بديلة
من الاقتراحات التي عرضتها المحكمة على الطرفين التوصل الى اتفاق قبل عقد الجلسة. وبمثل هذا الوضع فإن الحل لن يكون إلا بالتنازل ولو عن جزء من الأرض. قبل شهرين، كما يقول مخامرة، جاء مسؤولون من قبل نيابة الدولة الى المكان والتقوا عددا من السكان وعرضوا عليهم اقامة تجمعات سكنية بديلة عن البيوت التي يسكنونها وبالتالي التخلي عن أراضيهم. وعرضوا على السكان الكثير من المغريات مثل ضمان بيوت جديدة مع بنية تحتية متكاملة وشوارع واسعة وحرية تنقل، لكن السكان وقبل ان يستفسروا عن المكان البديل، رفضوا الفكرة التي ستسلب منهم حقهم في الارض وتخسرهم معركة يديرونها منذ عشرات السنين. وانفض اللقاء بإصرار الفلسطينيين على موقفهم ولكن قبل مغادرة المسؤولين استفسروا عن الموقع البديل الذي يقترحونه واذ بهم يتحدثون عن مساحة شاسعة من اراضي سوسيا. وهذه الاراضي بعيدة عن بيوت فلسطينيي سوسيا وتبين ان اسرائيل صادرتها من دون علم اصحابها وحولتها الى ما هو معروف في اسرائيل ب"أراضي ملك الدولة" وانتزعت حق اصحابها بالتصرف بها.
وبعد وضوح الصورة زاد إصرار سكان الخرب على موقفهم الرافض لاي بديل عن أراضيهم. مع هذا الاقتراح باتت قضية سكان الخرب تشغل تنظيمات حقوقية عدة. وفي منظمة "بتسيلم" التي تعد هذه الايام تقريراً عن هذه الشريحة الفلسطينية لكشف حقيقة معاناتها، يتابعون هذه القضية لكن متابعتها ما زالت مقتصرة على طرحها امام الرأي العام الاسرائيلي والعالمي. وتقول انتيجونا اشقر، التي تتابع الموضوعد ان
وجود القضية حاليا في المحكمة لا يتيح المجال إلا العمل من الناحية الاعلامية. ونتابع معاناة السكان بلقاءاتنا المتواصلة معهم. وتضيف: "لدى السكان الوثائق الثبوتية لملكيتهم للأرض وهناك من يحمل الكواشين التركية. وعلى رغم ان اسرائيل ترفض الاعتراف بقانونية هذه المستندات وبوجودهم منذ سنوات طويلة إلا انها تطالبهم - وطبعا هم يلتزمون - بدفع مستحقاتهم على المكان الذي يسكنون فيه، من ضرائب وغيرها وهذا بحد ذاته دليل على وجودهم".
وستعمل المنظمة على استعمال التقرير الذي تعده حاليا ورقة ضغط على اسرائيل لوضع حد لمعاناة السكان
للمستوطنين فقط
في الوقت الذي تناقش الدول المانحة طلب اسرائيل بتمويل مشروعها العنصري بإقامة شوارع بين المدن والبلدات الفلسطينية في الضفة الغربية، خصوصاً للفلسطينيين واخرى للمستوطنين اليهود، يكون سكان خرب يطا يذوقون معاناة مثل هذا المشروع الذي بدأت، اسرائيل في تطبيقه عندهم. وربما كان الأجدر ان تقدم امام المجتمعين صور أطفال سكان الخرب وهم يقطعون في هذه الايام العاصفة الماطرة مسافة كيلومترين ونصف كيلومتر من بيوتهم للوصول الى مدرسة "يطا" والعودة للمسافة نفسها.
أما الشارع الذي خصص للمستوطنين، فهو اصلا شارع كان يعبره الفلسطينيون يوميا ومعروف ب"طريق العرب" وتحت شعار "الاحتياطات الامنية"، جرى تعبيده وتحسينه وتخصيصه للمستوطنين ووضعوا حاجزاً عسكرياً لمنع الفلسطينيين من عبوره. وبات الاطفال أكثر ضحايا هذا المخطط.
يقول ابراهيم الهدالين ان هذا النظام الجديد منع العديد من الطلاب من الذهاب الى المدرسة جراء ما تعرضوا له من مضايقات واعتداءات، فهم يضطرون الى عبور هذا الشارع والمستوطنون يرفضون ذلك باعتبار ان الشارع خصص لهم، وحتى الجنود الذين يقفون على الحاجز العسكري لا يحركون ساكناً في كثير من المرات لمنع الاعتداءات فباتت عملية الذهاب الى المدرسة مخاطرة جدية، والعديد من الاطفال عادوا مرات كثيرة مصابين جراء الاعتداء عليهم. فالمستوطنون يلاحقون الطلاب ومنهم من يلقي عليهم الحجارة، وباتت وسيلة الاعتداء بتهويش الكلاب للهجوم عليهم ظاهرة شبه يومية ما يضطر الكثير من الطلاب الى الامتناع عن التوجه الى المدرسة خوفا. وفي هذا الموسم بالذات لا يتمكن الطلاب من الذهاب يوميا الى المدرسة لعدم وجود وسائل نقل، والشارع غير المعبد والمسافة الطويلة التي يستصعب الطلاب سيرها مشيا على الاقدام تحت المطر وفي البرد القارس.
وبعد تدخل جهات عدة لدى الجيش لوضع حد لهذه الاعتداءات تقرر قبل ايام فقط تخصيص سيارتي جيب جيش لحماية الطلاب من اعتداءات مستوطنة ماعون، واحدة تسير امام الطلاب والثانية خلفهم. وكما روى الطلاب ففي كثير من الاحيان يرهقون وهم يحاولون الجري خلف السيارة التي يقودها الجندي بسرعة ما يضطرهم الى الركض.
واذا وجد الجيش حلا للطلاب فذاك لا يخفف من معاناة الكبار الذين يضطرون الى مغادرة بيوتهم لقضاء حاجياتهم او العمل اذا اتيح لهم في الخليل او يطا. اذ يستعدون يوميا قبل مغادرة البيت، لخطر الاعتداء وللقيام بعملية تسلل من الشارع. وكل واحد وحظه اذا نجح في عبور شارع المستوطنين بأمان، وهذا يعود الى نفسية الجندي على الحاجز، اذ هناك من يرفض السماح لهم بالمرور والبعض ينكلون بهم ويعاقبونهم باحتجاز هوياتهم لبضعة ايام ما يضطرهم للعودة الى بيوتهم ومن ثم التوجه الى جمعيات ومنظمات حقوقية للمطالبة ببطاقات الهوية. اما الجنود الاكثر تطرفا فيكون تصرفهم اقسى. فمن يقود سيارته يصادرون مفاتيح السيارة اضافة الى بطاقة الهوية ما يضطره للانتظار ساعات يرجو خلالها الجندي بإعادتها او يجلس جانباً على أمل ان "يرق" قلب الجندي او يتم استبداله بجندي آخر تكون معاملته أخف قسوة فيعيد له المفاتيح.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.