استقرار أسعار الذهب    دول الخليج.. مواقف تُدرس    نهضة المرأة في السعودية    نائب أمير المدينة يناقش تطوير المواقع التاريخية    «صندوق الاستثمارات العامة» مستثمر رئيس في «ستيت ستريت الجديد» للمؤشرات المتداولة    ترمب مدّد وقف النار: إيران على وشك الانهيار    "الوزاري العربي" يدين الهجمات الإيرانية ضد دول الخليج والأردن والعراق    سلام: لا نسعى للمواجهة مع «حزب الله» ولن يرهبنا    «الليث» يطمح لذهب الخليج أمام الريان    في الشباك    النصر يسحق الأهلي القطري.. ويصل نهائي آسيا 2    أمير القصيم يرأس عمومية «دمي».. ويدشّن عربة التبرع للفصائل النادرة    تعليم المدينة يختتم فعالية «مستقبلي في روضتي»    إنقاذ حياة طالب اختنق بنقود معدنية    «الترفيه» وموسم الرياض يطلقان تصوير فيلم «عو»    حياة الفهد.. عقود في بناء الذاكرة الفنية    "المحلي والعالمي في الأدب" أمسية ثقافية بالباحة    وصول أولى رحلات مبادرة طريق مكة من إندونيسيا    متخصص في جراحة السمنة: 45 % من سكان المملكة مصابون بزيادة الوزن    ندوة طبية تعزز رعاية «الأنيميا المنجلية»    السديس: رئاسة الشؤون الدينية ترتكز على عالمية الهداية وإثراء تجربة القاصدين    في الجولة ال 29 من دوري روشن.. ديربي قصيمي يجمع النجمة والتعاون.. وقمة شرقاوية بين الفتح والخليج    الرابط بين ريال مدريد والأهلي    وزير الدفاع ونظيره الإيطالي يستعرضان تطوير الشراكة العسكرية    رئيس الاتحاد السويسري يصل إلى جدة    أمير الرياض يرعى حفل تخريج الدفعة ال17 من طلاب جامعة الأمير سطام بن عبدالعزيز    مركز الملك سلمان يوزع سلالاً غذائية ب 3 دول.. اتفاقية لتمكين النازحين واللاجئين في النيجر    الوثائق لها قوة الإثبات وتعد سنداً تنفيذياً.. العدل: لا يمكن التراجع عن الوقف بعد قبول طلب توثيقه    السبيعي يحتفي بالسفراء    تثير المخاوف من تجاوز المؤسسات.. مبادرة «اللجنة المصغرة» تربك المشهد الليبي    أكدت أن الأمن الغذائي مستقر.. طهران تقلل من آثار الحصار البحري    إيران تنفذ حكماً بإعدام متهم بالتجسس لصالح إسرائيل    بمشاركة 100 متسابق يمثلون 53 دولة أفريقية.. خادم الحرمين يوافق على إقامة مسابقة القرآن بالسنغال    أحمد العوضي يستعد لسباق رمضان ب«سلطان الديب»    تدشين «كرسي الكتاب العربي»    موجز    10 ملايين ريال غرامة «المخالفات الغذائية» بالحج    إطلاق الخطة التشغيلية.. رئاسة الحرمين: توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الحجاج    بدء إيداع أرباح الأوقاف عن العام 2025    نائب أمير مكة يطلع على جهود قطاع الأعمال    «البلديات» تحصد شهادتي الجودة وإدارة الأصول    بحثا مستجدات المنطقة.. ولي العهد لعون: السعودية تقف إلى جانب لبنان لبسط سيادته    أفلت من الموت 9 مرات.. وفي النهاية حفر قبره بيديه    الكرفس يخفض ضغط الدم بآليات طبيعية متعددة    وفاة عروس أثناء زفافها بأزمة قلبية    الرياض تستضيف نهائي دوري أبطال آسيا 2 بين النصر وغامبا أوساكا في الأول بارك    مُحافظ الطائف يطّلع على جاهزية القطاعات الصحية لخدمة ضيوف الرحمن    رصاصة رحمة    واشنطن تمدد وقف إطلاق النار ليلا وطهران تشعل هرمز صباحا    نائب أمير عسير يؤكد أهمية تنمية الغطاء النباتي واستدامة الموارد الطبيعية    HONOR تفتح الطلبات المسبقة لسلسلة HONOR 600 Series مع أداء رائد يضاهي الهواتف في فئتها    أمير نجران يُسلِّم وثائق تملك الوحدات السكنية للمستفيدين من تبرع سمو ولي العهد ويرفع شكر أهالي المنطقة    إطلاق صندوق المؤشرات المتداولة النشط المعزز للأسهم السعودية SAQL باستثمار رئيسي من صندوق الاستثمارات العامة    الجمعية الخيرية لرعاية الأيتام بنجران في زيارة لمدير عام تعليم منطقة نجران    حياة الفهد قصة نجاح ألهمت الأمهات.. وداعا سيدة الشاشة الخليجية    أمير الجوف يناقش استعدادات الجهات المشاركة في الحج    نائب أمير تبوك يواسي أسرة السحلي في وفاة فقيدهم    الهلال الأحمر بعسير يؤهل الفريق الكشفي المشارك في حج 1447ه    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



حوار شامل مع الشاعر المتربع على السنين وسط شموع السهرات والأحاديث الطويلة . أدونيس ل "الوسط" : تركت "شعر" لأنها تحولت إلى حزب وبعد اتمام "الكتاب" سأنصرف نهائياً عن الشعر 3 من 3
نشر في الحياة يوم 16 - 12 - 1996

"بات من غير المعقول بعد "شعر" أن نكتب كما كان يكتب أسلافنا القدامى، وأن نفهم الشعر كما كانوا يفهمونه... ومأزق ما نسميه الحداثة، أننا نكتب اليوم قصيدة النثر بالعقلية ذاتها التي كنّا انتقدناها في مجلة "شعر"". هذا ما يقوله أدونيس في هذه الحلقة الثالثة والأخيرة. كما يعتبر صاحب "مهيار الدمشقي" أن ما يكتب اليوم ليس إلا تنويعاً على علاقات موجودة في الشعر العربي القديم. ويرى أن الشعر يستقيل من العالم، وأن الشعراء ينسحبون إلى شرانقهم. وصاحب "الثابت والمتحوّل" الذي يعتبر الشعر "بدايات دائمة"، يبوح بأنّه سيتركه قريباً ليتفرّغ إلى مذكّراته، ولينجز رواية عن تجربته في الحبّ وعلاقته بالنساء.
تقول إن أهميّة مجلّة "شعر" في نظرك تكمن، بالدرجة الأولى، في تغيير معنى الشعر. في أي اتجاه؟
- بات من غير المعقول بعد "شعر"، ومن غير الممكن شعرياً، أن نكتب كما كان يكتب أسلافنا القدامى، وأن نفهم الشعر كما كانوا يفهمونه. هذه في نظري أهمية مجلة "شعر" بالأساس.
بعد ذلك، يأتي كونها بشّرت بقصيدة النثر، أو ترجمت جانباً من الشعر العالمي، أو قدمت أسماء باتت مهمة فيما بعد. هذه حقيقة "شعر" التي لم يدركها الجيل اللاحق الذي التهى بنقاشات عقيمة جداً. نقاشات كانت بالنسبة إلينا ذات غاية سجالية. فحين كنا ننتقد التقليدية والكلاسيكية، كنا نخوض معركة وجدالاً. لكن قصدنا العميق كان تبديل الشعر ومعنى الشعر، فإذا كان للشعر معنى آخر علينا أن نبتكر قصائد تقوم به... هذا هو مأزق ما نسميه الحداثة، فنحن نكتب اليوم قصيدة النثر بالعقلية ذاتها التي كنّا انتقدناها في مجلة "شعر".
هل تعطي مثلاً؟
- خذ أي قصيدة نثر، من دون استثناء، وادرسها كبنية لغوية وبنية تعبيرية وبنية رؤيوية... ماذا تجد؟ أنها من هذه الزاوية تنويع على علاقات موجودة في الشعر العربي القديم. أي أن شاعر القصيدة النثرية لم يستطع أن يخترق اللغة الشعرية الموجودة عند هذا الشاعر أو ذاك في التراث العربي. ما من لغة شعرية راهنة اخترقت لغة أبي نواس وأبي تمام على المستوى اللغوي والتعبيري! إذا تأمّلت بدقة، ستجد أن هذين الشاعرين أكثر جدّة، على المستوى اللغوي والتعبيري من معظم شعرائنا الحديثين، أكثر نضجاً من معظمنا.
الشعراء القدماء يحوون بعداً ميتافيزيقياً في شعرهم: أي أن المرئي يتصل عمقياً باللامرئي، والواقع يرتبط عمقياً باللاواقع. وبهذا المعنى يرتبط الحاضر عميقاً بالماضي، مما يؤدي إلى اتصاله بالمستقبل. شعرهم كان متعدد الأبعاد، أما شعرنا فأحاديّ البعد يفتقر إلى الغنى الميتافيزيقي، الامر الذي يجعل القصائد بلا ثقل. تقرأ القصيدة فلا تحس فيها بالثقل التاريخي، بثقل التجربة وبالثقل الاستشرافي.
هل هذه محاكمة للشعر الحديث؟
- لا ليست محاكمة.
لكن في كلامك تقويماً للقصيدة الحديثة.
- لا، لا. أنا ألاحظ فقط، التقويم شيء آخر، لا نستطيع أن نقوّم بالمطلق شعراً راهناً، وحركة لا يزال أبطالها شباناً وفي أوج نتاجهم. إذا شئت قوّم تاريخياً لكنك لا تستطيع أن تفعل بالمطلق. أنا لا أحاكم هذه التجربة، فعمرها ثلاثون أو أربعون سنة، وهذه لا شيء في تاريخ الشعر. لا شيء اطلاقاً.
لكن لا يبدو على الحركة الشعرية أنها شابة!
- شابة بالمعنى الزمني.
لا. بمعنى الفتوة والنمو.
- شابة بالمعنى الزمني، لكن الشيخوخة أدركتها بالمعنى الشعري. مشكلتها العميقة، بمعنى آخر، هي الانشغال بالذات والانشغال بشكل التعبير. الانشغال بالبناء الظاهري للأشياء. اللغة قد تكون أحياناً أغصاناً جميلة، وورقاً جميلاً، ولا تكون القصيدة مع ذلك شجرة. لا تكون القصيدة شجرة الاّ إذا ضربت جذورها في أعماق كثيرة، وبات لها شخصيتها، وانتشرت غصونها في جميع الاتجاهات. شعرنا الحديث أغصان جميلة بلا جذور، هناك استثناءات طبعاً، بل هناك مفارقات كبيرة. عندنا مواهب لا مثيل لها في العالم، إذا نظرنا إلى ما فيها من حساسية شعرية وتوهّج شعري، لكنها سرعان ما تنضب، بسبب ظروف وأوضاع ثقافية وتاريخية معينة. فالمجتمع نفسه مسطح بلا عمق - هذا يحتاج إلى دراسة على حدة. لا أحس أن للكتابة الشعرية عندنا تاريخاً، ليست سوى توهج، ينتهي بعد وقت. ليست ناراً آتية من أعماق التاريخ وسائرة نحو المستقبل.
هل تعني أن الشعر عندنا مكتف بنفسه لا يستند إلى ثقافة؟
- يمكنني أن أوضح قصدي بسؤال آخر. ما الذي يجعل أبا نواس مثلاً جديداً باستمرار. كان يتكلم عن حياته الخاصة، عن أخباره والحانات والنساء. شعره كله عبّر عن حياته اليومية، وتجربته الشخصية. لكن وراء الحياة المرئية لا مرئي هائل هو المعتقدات والتقاليد القديمة. وراء الحياة اليومية سعي إلى تغيير اللغة والقيم والعادات، والتأسيس لعالم جديد. وذلك يجعل شعره فيزيقياً وميتافيزيقياً معاً، ماضياً وحاضراً ومستقبلاً في آن واحد. هذا ما نفتقده في كتابتنا الشعرية الجديدة، لذا نجد أن الذاتي في شعرنا مجرد صراخ، والكينونة الاجتماعية التاريخية التي نشأ فيها الذاتي مفقودة.
إذا أوكلنا للشعر أن يتجاوز نفسه، وأن يكون بحد ذاته ثقافة كاملة... إذا أوكلنا للشعر أن يكون مقابلاً للوجود وعارضناه بالحياة والواقع... إذا أوكلنا إليه توحيد الثقافة وتوحيد التاريخ، ألا نحوله إلى "يوتوبيا" مستحيلة.
- الشعر دائماً على حدود الاستحالة. ليس عندي سوى نموذجين لمقاربة العالم: نموذج الفعل، أن تكون لينين مثلاً أو ماوتسي تونغ، وتبني المجتمع مادياً. ونموذج الشعر، أن تبني العالم شعرياً. ما من نموذج آخر. يجب أن نضع الشعر في هذا المستوى.
لماذا تركت "شعر"؟
- لأني، كما قلت ليوسف الخال، شعرت بأن المجلة تتحول إلى حزب شعري. إلى معارضة لتاريخ بأكمله. ضاقت وتحيزت وتوقفت عند هموم في عمقها غير شعرية. هموم من خارج الشعر، بينما كان عليها أن تحتضن التاريخ الذي تتحرك فيه بكامله، فلا تنعزل عنه. كان عليها أن تحتضن التاريخ والحضارة بكليتهما، فتبقى حركة وتياراً بدلاً من أن تنصب خيمة لها تنزوي فيها. حصل انفصام بين واقع المجلة والدوافع العميقة التي تشدني إليها، هذا إضافة إلى الأسباب المعهودة التي تعصف عادة بكل التجمعات. المنافسات والغيرة والحسد والاختلافات. وهذه لا تنفرد بها جماعة "شعر"، فهي من سيماء كل التجمعات في الدنيا. لكن السبب العميق لانفصالي هو احساسي بأنها تنزوي، وعالمها يتقلص، وتخرج من حلبة التاريخ.
من جملة ما ذكرته يبدو التنبّؤ مثابراً في شعرك؟
- الشعر سابق على التنبّؤ بالمعنى التاريخي، لكن الأوّل فيه شيء من الثاني. في كل علاقة كيانية وعميقة بالوجود، وحتى في الحب نفسه، نوع من التنبّؤ.
هل الشعر يغيّر؟
- إذا كان القصد تغيير ما في الواقع، فالشعر طبعاً لا يغيّر. لكنه يغير على نحو غير مباشر. حين يعيش الانسان الرؤية الشعرية، والعلاقات التي تقيمها بين الانسان والعالم، فإنه نفسه يتغير. وإذا تغير فإنه قد يؤثر في الواقع. بهذا المعنى يمكن للشعر أن يغيّر.
هل يصح أن يكون الشاعر مجرد شاهد أو مراقب؟
- يمكن للشاعر أن يكون شاهداً ومراقباً. المهم كيفية المراقبة وكيفية الشهادة. هل هي شعرية أم لا؟
أما زلت تعتقد أن للشعر فاعلية "التدمير اللغوي"، علماً أن هذه قد تكون فاعلية الرواية؟
- التدمير اللغوي فهم فهماً شكلياً وخارجياً. كأن نتعرض للقواعد، أو ندخل كلمات غير مستخدمة، ولا نتقيد بالنسق الكلاسيكي للتعبير. أعتبر هذا التدمير خارجياً وبرانياً وبلا أهمية على الاطلاق. بل هو مجرد زيّ وموضة، كما فعل كونو مثلاً بالرواية الفرنسية. قلت مرة لجان جينيه: حياتك وتجربتك يفرضان أن تكون إلى جهة رامبو وسيلين، أكثر مما تكون إلى جهة مالارميه. فأجاب: "سيلين بات اليوم قديماً وشاخت لغته، لأن هذا النوع من التعامل مع اللغة يتجاوزه الزمن، وتلحقه بالضرورة تدميرات أخرى للغة أو لغة جديدة. بينما يمر الزمن على لغة مالارميه وهي حية نابضة. شئت أن أكتب بلغة تخرّب البنية العقلية البورجوازية، ولم تسعفني لغة رامبو في ذلك، أما لغة مالارميه فمن داخل تلك البنية، وتخرّب في الداخل، لذلك أنا شاعر مالارميه لا رامبو".
واستطراداً فهمت أن كل تدمير من هذا النوع للغة يضيق ويتجاوزه الزمن. التدمير الذي كنتُ أنا أقصده أساساً، وأسأت التعبير عنه، هو أن تغسل اللغة باستمرار من أحشائها القديمة. تغسلها بكاملها وتعطيها سياقات جديدة ودلالات جديدة، تجعل فيها من نفسك . بهذا المعنى تتدمر اللغة باستمرار استناداً إلى رؤية، لا استناداً إلى لعبة. ولذا فإن كلّ شاعر مدمّر لغة. رامبو دمر اللغة في حين أنّه كان كلاسيكياً عظيماً، وكذلك بودلير ومالارميه. غيرّوا اللغة من دون أن يكتفوا بلعبة برّانية.
من هنا أنّك لا تحب الروايات؟
- لا، لذلك في الغالب أسباب أخرى. لا تزال الرواية العربية تفتقر إلى البعد الشعري في رؤية العالم والأشياء، لا يزال السرد تابعاً للحدث وهذا يجعل الزمن بلا ضرورة. أحس أن الزمن في الرواية العربية رخو، ممل. وأنا بحاجة إلى زمن حيّ، كثيف، متوتر، يناسب اللهب الداخلي الذي فيّ. هناك في بعض الروايات هذا الزمن الحي المتوتر، والعلاقة بالاحداث تغدو، في هذه الحال، شعريّة في الأساس.
إذا كان مرجع التدمير اللغوي هو المحكي، اللغة الشفوية. فإن هذا لم يحصل في شعرك. ما هو مصدر هذا التدمير اللغوي إذاً؟
- أولاً المحكي لا يدمر اللغة. يدمر صيغاً فصيحة، لكنّه لا يدمر اللغة، لأن البيئة اللغوية العميقة للفصحى هي ذاتها في العامية والعكس بالعكس. فهنا وهناك تقف البنية العقلية ذاتها وراء اللغة. وإذا عدت إلى العامية، تستبدل صيغة بصيغة ولا تدمر اللغة. اللغة اليوم هي أن تخلق عوالم وابعاداً وعلاقات جديدة بينك وبين العالم والأشياء. الرواية أيضاً لا تدمر اللغة، إنها تقدم صورة أخرى للواقع، فهي اعادة انتاج وليست تدميراً.
اقترن اسمك باسم امرأة عاشت معك في الحياة والثقافة...
- بمقدار ما يحرجني الكلام على نفسي، يحرجني الكلام على خالدة التي هي جزء مني وأنا جزء منها. نحن الاثنان واحد. لأننا في رفقة تتعدى الزواج إلى مجالات أخرى كثيرة. رفقة حياة كاملة. أمضينا معاً نصف قرن تقريباً. وكنا تقريباً شخصاً واحداً في جميع أفراحي وآلامي وعذاباتي ونتاجي. وكما يصعب أن أخلق مسافة بيني وبين نفسي لاتحدث عنها، يصعب أن أجد مسافة بيني وبين خالدة لأتحدث عنها.
لكنك تذكر كيف التقيتما؟
- التقينا في بداية الخمسينات، في دمشق. كانت تلميذة في "دار المعلمات"، وكنت أنا في بداية سنتي الجامعية الأولى. تعارفنا بفضل سيدة ممتازة، وأحب الآن أن أرفع لها تحيّة أولى لإنّها امرأة جميلة وحيوية، وسيدة من سيدات دمشق البارزات... وتحيّة ثانية لإنّها عرّفتني بخالدة... وثالثة لأنها احتضنتني وساعدتني ومهدت لي الأجواء الأدبية في دمشق... فأنا مدين لها بالكثير. هذه السيدة هي الراحلة عبلة خوري. كنت انذاك مأخوذاً بالمستقبل، بأن أخرج مما أنا فيه ومن ماضيّ لأخلق زمناً آخر تستطيع هواجسي واندفاعاتي وتطلباتي أن تجد مكاناً فيه. تعرفت إلى خالدة، فدخلت رأساً في هذا الجو، صارت فيه بمثابة جسر ومثابة رمز.
هل يمكن أن نعتبر هذا كلاماً عن الحب؟
- تكتشف من هذه الانشقاقات، بعد التكامل، أن الحب ليس جواباً. الحب أفق بديع ومدهش، لكن ينقصه في أحيان كثيرة بعد عمودي. بالنسبة إلي لا يكون الحب جواباً حتى يكتمل بالعملية الابداعية. هكذا يختلط الحب بالفن.
ماذا عن السفر؟
- السفر، بالنسبة إليّ، هو سفر داخل الذات. سفر في الزمن أيضاً. وما أراه في سفري الخارجي لا يعنيني، إلاّ بقدر ما يجعلني أرى أشياء أخرى خارج المرئيات المباشرة. السفر في الظواهر ليس بالنسبة إليّ، الاّ محاولة للغوص في أعماق العالم.
تبدو سعيداً بالفعل، بعيداً عن كل المشاكل؟
- أرجو أن أكون كذلك.
أنت فعلاً هكذا.
- نعم. أنا هكذا فعلاً.
هل هناك محل آخر للسعادة غير وفاقك مع نفسك؟
- كان مساري عاصفاً، وأسيء فهمه ولا يزال. لكني أثق بما قمت به حتى الآن وبما أقوم به. مساري يعبّر عني تمام التعبير ولا أظنه خاطئاً كله. أنا غني بأصدقائي خصوصاً، وهذا الغنى لا يعوّض ولا مثيل له. صحيح أن الخبرة بالعالم والناس تغني، لكن الانسانية العميقة القائمة على الصداقة لا مثيل لها، إذ انها بمستوى الماء والهواء والضوء.
هل هو النجاح، أم شعورك أن أثرك قارب الاكتمال؟
- هذا أقل ما يعنيني. فمهما اكتمل الانسان، سيجد - إذا كان وعيه حقيقياً - أنّه لم يفعل شيئاً بعد. عظمة الشعر أنه بدايات دائمة.
تكلم سارتر في آخر أحاديثه عن الفشل.
- الفشل جزء طبيعي من كل مغامرة كبرى. حين تنجح في ميدانها فهذه ذروة فشلها من دون شك. الابداع بهذا المعنى هو اعظم فشل في التاريخ.
حدّثنا أكثر عن الموت؟
- في كل عمل، وكل ممارسة كبرى، نوع من الموت. أعتقد أننا نعيش الحياة موتاً، أو بمعنى آخر نعيش الموت حياة، يعني الموت حاضر في كل نفس من نفوسنا.
هل تكتب بشكل يومي؟
- عادتي أن أعمل على كتابات مختلفة في الوقت نفسه. كأن أكتب قصيدة ويوميات وبحثاً معاً. أكتب في هذا وتلك بحسب مزاجي، أمرّ بأمزجة متعددة في النهار الواحد، وأغير عملي وفقاً لذلك. أتنقل بين جانب من قصيدة، وجزء من يوميات، وفقرة من بحث في الوقت نفسه تقريباً.
هل تكتب كل يوم؟
- إذا لم أكتب أقرأ. القراءة بالنسبة إليّ هي الغوص في كتاب يطرح عليك أسئلة - أياً كان مؤلفه - كتاب يذكرك بأسئلة أو يفتح لك أفقاً.
هل تثير القراءة رغبة في الكتابة؟
- تثير رغبة في الجواب عن أسئلة كامنة في نفسك، حرضتك عليها قراءة الكتاب.
وتحريك الكامن يحرّضك على الكتابة؟
- بهذا المعنى، نعم.
حين تكتب مؤلفاً شعرياً طويلاً، هل تقرأ شعراً في الفترة نفسها؟
- كلا.
تتوقف عن قراءة الشعر؟
- أقرأ كتباً في التاريخ والفلسفة والحضارة. في المناسبة، قراءتي للشعر ضئيلة، إذا قيست بقراءاتي الأخرى. أخجل من الاعتراف بأن هناك شعراء كباراً لم أقرأهم.
هل تحسّ أن الشعر نادر في هذه الفترة؟
- ليس في العالم العربي وحده. في العالم كله، نادر جداً.
هل يعني هذا أن ثمة مشكلة في الشعر؟
- لا أتصور أن المشكلة في الشعر. هناك أزمة، بالتأكيد، على مستوى الشعر. لا بسبب علاقته بالقارىء ولا من جرّاء ظهور التقنية والصورة والرياضة. أزمة الشعر هي في الشعر نفسه، الشعر يستقيل من العالم بشكل أو آخر. قد يكون على حق. لكن هناك استقالة من العالم ومن مشكلات العالم. الشعراء يصنعون شرانقهم ويصرخون وينسحبون إلى داخل هذه الشرانق. والشعر في هذه الحال نوع من اللعب. لعب لغوي أو لعب ذهني، وحين يغدو الشعر لعباً يدخل في مباراة ضخمة، لأن العالم كله لعب، ويضيع فيها. فالقارىء عندئذ سيفضل الألعاب الأخرى، العملية واليدوية والجسدية الحية، على اللعب الذهني واللعب اللفظي. أزمة الشعر إذاً في ذاته، ولا يمكن للجماهيريّة طبعاً أن تنقذه من هذه الأزمة، ولا شعر الخطب يمكنه ذلك، فهو بحد ذاته اعاقة للشعر الحي.
المجلد الثاني من "الكتاب" هل له خطة تختلف عن الأول؟
- سيكون مختلفاً من حيث التشكيل والبناء، وأعتقد أنه سيكون أكثر حيوية وأكثر غنى أيضاً.
سيكون أكبر؟
- أكبر في الحجم أيضاً.
هل تجد أنك بهذا العمل تصل بمشروعك إلى أكثر أشكاله تكاملاً؟
- أعتقد ذلك. سيكون هذا الكتاب آخر ما أكتبه شعراً. بعد اتمام المجلدين الباقيين سأنصرف نهائياً عن كتابة الشعر إلى كتابة أشياء أخرى: مذكراتي وروايتي التي لم أكملها. عنوان هذه الرواية سيكون على الارجح: "هي، هن، أنت"، إنّها عن تجربتي في الحب وعلاقتي بالمرأة. وأنا أميل إلى طبعها سريعاً، أفكر في نشرها مع المجلد الثاني من "الكتاب"


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.