احتفلت "جمعية صيانة مدينة تونس"، قبل اسابيع، بالذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، فنظمت تظاهرة فنية - ثقافية ضخمة، جاءت الندوة الدولية حول "دمج التراث" بين ابرز محطاتها، وشارك في اعمالها معماريون واختصاصيون من العالم اجمع. الحدث في حد ذاته مناسبة لتسليط الضوء على جمعية من النادر ان نقع على مثيلاتها في العالم العربي، وفرصة للتعرف عن كثب الى التراث المعماري العريق الذي تنطوي عليه مدينة تونس. هذه الثروة يعود اليوم فضل الحفاظ عليها الى مجموعة من الرجال والنساء الذين وعوا أبعاد الارث الحضاري لمدينتهم، وفهموا - قبل فوات الاوان - قيمته الحقيقية، فراحوا يكافحون بما أوتوا من وسائل، لدرء الاخطار المحدّقة بمختلف معالمه. وما هي الا سنوات حتى حققوا جزءاً اساسياً من هدفهم متوصلين الى احياء القلب التاريخي للعاصمة التونسية، وذلك بدعم وطني لم يلبث ان اكتسب ابعاداً عالمية. "الوسط" اجرت التحقيق التالي في تونس عن معالم المدينة وجهود جمعيتها: "جمعية صيانة مدينة تونس القديمة" عنوان لحكاية طويلة، بدأت مغامرة غير مضمونة النتائج، وانتهت الى ما هي عليه اليوم: قدوة ومثالاً يحتذيان في معارك صيانة المدن القديمة الاخرى مغاربياً وعربياً. تبدأ الحكاية مطلع الستينات، مع تصاعد مشاريع التطوير التي قامت على فهم مبتور للحداثة. وكان رواد هذه النزعة القسرية، على مستوى التنظيم المدني والعمارة، يجنحون الى محو كل ما هو قديم، كل ما بطلت موضته او مر عليه الزمن، كما تطمس العيوب وتخفى العورات. انها الفترة نفسها التي شهدت، في اكثر من مدينة عربية، اختفاء الحجارة امام غزو الباطون، وقيام الجادات الواسعة المريحة على انقاض الازقة الحلزونية الساحرة، بحجة انها ضريبة التطور المحتومة، والثمن الذي لا مفر من تقديمه مقابل دفع عجلة التنمية والتطور. مع ازدياد ضغط الهجرة الى العاصمة من جهة، وسعي اهل المدينة الى حياة اكثر عصرية من جهة اخرى، كانت احياء المركز التاريخي لتونس اصبحت، مطلع الستينات، ملاذاً لفقراء الهجرة الريفية، بعد ان تركها اهلها الى احياء اكثر حداثة ومنازل اكثر رفاهية، فتصدعت بيوتها وتآكلت. كما تحول عدد منها الى "وكائل"، و"الوكالة" كناية عن دار تونسية تقليدية راحت تتقاسمها عائلات عدة من الطبقة الشعبية لا يربط بينها رابط، وذلك في غياب اي قاعدة تنظيم مدني وأي من البنى التحتية الضرورية. هكذا استحالت المدينة القديمة مرادفاً للتخلف والانحطاط، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي جعلها تشكل عائقاً اساسياً يفصل المدينة الاوروبية عن مركز السلطة في القصبة. كان لا بد اذن، من ازالة ذاك الحاجز وتجزئته، لتمكين القطبين الاداري والاقتصادي من الاتصال المباشر والسريع. حتى انه تم الاعلان عن مسابقة دولية بهذا الشأن عام 1959 بهدف اجراء "عملية جراحية" للمدينة القديمة، تعمل على وصل القصبة بباب البحر، عبر اختراق القلب التاريخي والاحياء القديمة. بعد مجموعة من التحركات، ابصرت "جمعية صيانة المدينة" النور عام 1967، بمبادرة من حسيب بن عمار والي تونس وشيخ المدينة آنذاك، يدعمه تيار اخذ يتوسع في صفوف السكان والرأي العام. فمن البديهي ان الدينامية التي بنيت على اساسها هذه المدينة كانت لتضمحل، وان نسيجها كان ليتمزق لو تمت قسمتها الى شطرين او الى احياء عدة... ولو اختفت الاسواق المركزية فلم يبق الا جامع الزيتونة، تحيط به الشوارع العريضة من كل صوب. ولا شك ان الجمعية المشار اليها وصلت في الوقت المناسب، في لحظة كانت فيها الذاكرة الوطنية والحضارية لتونس مهددة بالتلاشي. فالمدينة القديمة للعاصمة التونسية، هي بين الاعرق والاغنى مغاربياً، أسسها العرب المسلمون في القرن الثامن للميلاد، وكان موقعها فوق ربوة على المتوسط يؤهلها كي ترث جارتها قرطاج العاصمة الفينيقية. هكذا تحولت تونس القرية البربرية في العهود القديمة، ثم القلعة الدفاعية الحصينة في العهود العربية وحكم الاغالبة، الى مركز امارة محلية، دام حكمها زهاء قرن من الزمن. وقد ضم الموحدون تونس عام 1160م الى دولتهم الكبيرة المستقرة بمراكش والممتدة من المغرب الاقصى الى طرابلس الغرب، فجعلوا منها عاصمة ولاية افريقيا. واخيرا تحولت الى حاضرة الدولة الحفصية 1229 - 1574م فكانت مع صقلية يفصلهما مضيق عرضه 140 كلم تتحكمان بالعبور بين غرب البحر الابيض المتوسط وشرقه، وبذلك لعبت دوراً مهماً على مستوى الحركة التجارية في حوض المتوسط. كانت المدينة كبيرة نسبياً ومزدهرة، اذ وصل عدد سكانها في القرن الخامس عشر للميلاد، الى المائة الف نسمة، وكانت جميلة المظهر حسبما وصفها الرحالة العرب والافرنج الذين زاروها خلال الحكم الحفصي. كانت منيعة امام الغزاة، بفضل قلعتها الحصينة "القصبة" حيث سكن السلطان واستقرت ادارة المملكة، وبفضل سوريها الداخلي والخارجي. كما كانت مركز علم وثقافة ومعرفة، بحكم وجود جامع الزيتونة، اول جامعة في شمال افريقيا، تخرج منها بعض جهابذة الفكر والعلم والفقه كعلي بن زياد وابن نفيسة، ومحرز بن خلف، وابن عرفة، والمؤرخ ابن خلدون... معالم العمران وكما هو الامر في ايامنا، كانت الاسواق تحف بالجامع من كل صوب. لكل سوق اختصاصها، وكلما اقتربنا من الجامع وقعنا على الاسواق التي تتعاطى السلع النبيلة، كالكتبيّين والعطارين والشماعين وصناع الحرير والقماش عامة والجلد على انواعه. اما الحرف التي تخل براحة السكان او تحدث تلوثاً وضجيجاً، كالحدادين والجزارين والتبانين والحلفاوين الخ، فكانت الاسواق الخاصة بها تنتصب امام الابواب خارج السور. خلال الحكم الحفصي، عرفت المدينة امتداداً ملحوظاً فتجاوزت ابوابها القديمة: باب البحر، باب الجزيرة، باب السويقة، باب قرطاجنة... كما شهدت تلك الحقبة حركة عمرانية وفنية بالغة الازدهار والرقي. هذه الحركة نلاحظها من خلال المباني التي بقيت والتي يكافح افراد "جمعية صيانة المدينة" لصيانتها واحيائها، كالمدرسة الشماعية التي أسسها ابو زكريا الحفصي في سنة 2301 م وهي الاولى من نوعها في شمال افريقيا، وجامع القصبة المعروف آنذاك بجامع الموحدين، وعدد لا بأس به من الكتاب والمدارس والزوايا وأشهرها زاوية سيدي بن عروس والحمامات العمومية وغير ذلك من المنشآت المدنية او الدينية. كما كانت الضواحي تعج بقصور السلاطين والامراء والاعيان. لكن هذه النهضة العمرانية توقفت خلال القرن السادس عشر، من جراء الانشقاقات الداخلية والحروب الاسبانية - العثمانية والاحتلال الاسباني الذي كان سبباً في تدمير تونس، ولم تسترجع المدينة حيويتها الا خلال القرن اللاحق حين امسك العثمانيون بزمام الحكم، ونصّبوا الدايات لادارة البلاد، ثم توالى من بعدهم المراديّون واخيراً الحسينيون. وما زالت آثار تلك الحقبة قائمة الى اليوم، يكفي الزائر، للاطلاع على ما خلّفه هؤلاء الدايات والبايات، ان يكتشف المساجد الفخمة التي شيدوها بمآذنها المثمنة الاضلاع المختلفة عما عهده التوانسة من مآذن مربعة قبل ذلك العهد: جامع يوسف الداي في سوق البشامقية، وجامع حموده باشا في نهج سيدي بن عروس. ويبقى جامع سيدي محرز الذي بناه محمد الباي المرادي فريداً من نوعه، اذ يشبه بقبابه البارزة فوق سطوح المدينة، اكبر الجوامع العثمانية في اسطنبول. ولم ينته القرن السابع عشر حتى قامت الدولة الحسينية، مبدية حرصاً شديداً على تنشيط العلم وارجاع التعليم الزيتوني الى سالف مجده. ومن المدارس التي انشئت في العهد الحسيني والتي ما زالت قائمة الى اليوم المدرسة الباشية في سوق القشاشين، المدرسة العاشورية في عاشور ومدرسة بئر الحجار في نهج الباشا. كما حرص البايات الحسينيون على تنشيط الحركة الاقتصادية، فوسعوا الاسواق القديمة واضافوا اليها اسواقاً جديدة، كسوق الشواشية وسوق الترك وسوق الباي. اما القصور فعددها ليس بالقليل، بالاضافة الى قصر الباي الذي اعاد بناءه الباي حموده باشا الحسيني، يمكن للزائر ان يطلع على دار حسين التي احتضنت اول مقر لمجلس بلدية تونس 1858 والتي تحتضن اليوم مصالح المعهد القومي للآثار والفنون. هناك ايضا دار الاصرم الشهيرة التي قامت "جمعية صيانة المدينة" بترميمها قبل ان تختارها مقرا لها. ولا بد من الاشارة الى دار بن عبدالله، حيث المعرض الدائم للفنون والتقاليد التونسية الاصيلة، وقصر صاحب الطايع، في حي الحلفاوين المحاذي للجامع الذي يحمل نفس الاسم، والذي يمتاز بواجهته المفتوحة على الساحة بواسطة اروقة رشيقة وجميلة. اليوم، تطل المدينة العتيقة علينا في هيئة لم تتغير كثيراً منذ القرن الثامن عشر، اذ تمتاز بنسيج عمراني كثيف وشبكة طرقات وأزقة تربط بين منازل ذات فناءات متلاصقة. وهي ما فتئت تشكل شاهداً حياً على نموذج عمراني اسلامي متناسق، جعلها تدرج منذ العام 1980 ضمن قائمة روائع التراث العالمي، التي تشرف عليها اليونسكو. وتشاء مصادفات الروزنامة ان منظمة ال "يونسكو" تحتفل هذا العام ايضا بمرور عقدين على اقرار "ميثاق التراث العالمي" الذي يعود له الفضل في انقاذ ثروات هائلة هي ملك الحضارة الانسانية، من الانهيار والضياع. في الستينات، عندما بدأت الاخطار تحدق بالمدينة، نتيجة لعمليات الهدم والتحديث وشق الطرق، وغيرها من العناصر الدخيلة التي راحت تهدد النسيج العمراني التقليدي بالاختلال والتفتت، كان على "جمعية صيانة المدينة" ان تبدأ من الفراغ، بامكانات قليلة، مبحرة عكس التيار. وربما كانت الصيغة الفريدة التي تمتعت بها منذ انطلاقها، وراء ما ستحققه من انجازات، فعلى رغم قيام بلدية تونس بدعم وتشجيع هذه المؤسسة، الا ان فريق التقنيين والمهندسين الذي يديرها بقي طليق اليدين، حراً في قراراته وتحركاته. ولا شك ان ظهور قانون مالرو في فرنسا عام 1962 على اسم الاديب الفرنسي اندريه مالرو، وزير ثقافة العهد الديغولي آنذاك حول المنشآت والمباني التاريخية المصانة، لعب دوراً في فتح الطريق امام اللجنة التونسية، في قلب أدغال وعرة محفوفة بالمخاطر والعوائق. ومنذ السنوات الاولى لقيام الجمعية، انكب المهندسون والباحثون المتعددو الاختصاصات على دراسة ميدانية معمقة، تمهيداً لتشخيص "الامراض". هكذا تم حصر المعالم والمباني والمنشآت ودراسة وضعها، كما تم تحديد المناطق وتصنيفها حسب ميزاتها وتبعاً للكثافة السكانية فيها. كل هذه المعلومات التي تساعد على معرفة النسيج العمراني وخلفيته الاقتصادية والاجتماعية، صدرت في وثيقة رسمية عام 1974، وشكلت ارضية اساسية لا بد منها لوضع اي تصور او تخطيط علمي ولاقرار سياسة احياء وترميم وصيانة شاملة. وعلى رغم ان الوثيقة لم تجد من السلطات أذنا مصغية في حينها، فقد كانت وراء تكوين رصيد وثائقي مهم، ما زال يصلح كمرجع استندت اليه الجمعية في كل مشاريعها اللاحقة. عدم التجاوب الرسمي لم يمنع المشاريع الاولى من ان ترى النور، كمشروع الحفصية الاول 1974 - 1978 الذي نال لاحقاً جائزة الآغا خان 1983، وكترميم بعض "الوكائل" على نفقة البلدية وتهذيب واجهات بعض الانهج على نفقة صندوق تحسين المسكن، وكترميم المعالم التابعة للدولة... ثم تبدلت العلاقة مع السلطات، بعد ان اكتسبت الجمعية مصداقيتها وفرضت منطقها، وبعد ان تخطت شهرتها حدود تونس. ومع تغير المجلس البلدي لمدينة تونس عام 1980 كانت المجالات قد انفتحت، والمغامرة غير المضمونة النتائج تحولت الى مؤسسة تلعب اليوم دور المستشار والموجه وحتى المستثمر، في كل ما يتعلق بترميم واحياء النسيج المعماري للمدينة القديمة. اليوم ذاع صيت "جمعية صيانة المدينة" عالمياً، حتى انها حازت مرتين "جائزة الآغا خان للهندسة الاسلامية"، وذلك بفضل اعمال الصيانة والترميم والتطوير التي قامت بها على اكثر من صعيد. كما ان البنك الدولي ومنظمة اليونسكو اصبحا، على سبيل المثال لا الحصر، بين شركائها. غير ان عمل الجمعية، لا يقتصر على الحفاظ على وحدة المدينة وتماسكها، بل يتعدى ذلك الى العمل على دمج هذه الاخيرة في حركة التطور التي تشهدها العاصمة، حتى تجنبها التهميش. من هنا محور الندوة الدولية التي نظمت قبل اسابيع في قصر المؤتمرات في تونس، وحضر افتتاحها وزير الداخلية وزير الدولة التونسي عبدالله القلال، كما حضر جلسة اختتامها وزير الثقافة التونسي المنجي بوسنينة، وشارك في اعمالها عدد من الخبراء والاختصاصيين المكرسين من تونس والجزائر والمغرب ومصر وايطاليا وكندا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والسنغال. فاختيار محور الندوة "مدينة تونس: دمج التراث"، يعكس هاجساً مزدوجاً يتخطى مشروع دمج المدينة التقليدية في المدينة الكبرى العصرية كي تأخذ الاولى مكانتها بصفتها حياً ممتازاً من احياء الثانية، الى مشروع ثقافي اشمل هو "دمج كل القيم والمأثورات والفنون والتقاليد التي يحملها التراث في الثقافة الراهنة للمدينة، بصفتها وسيلة اساسية من وسائل انماء المجتمع ثقافياً واقتصادياً وحضارياً". حسب تعبير عبدالعزيز الدولاتلي احد الناشطين في الجمعية الى جانب دونيه لوساج وجلال عبدالكافي وآخرين. بعد حضاري ونظرة بسيطة على انجازات الجمعية خلال ربع قرن من وجودها، تكفي لاعطاء فكرة واضحة عن البعد الحضاري لهذا المشروع الطموح، وأثره في انقاذ الذاكرة الثقافية العريقة لتونس. تتوزع مساهمات هذه المؤسسة بصورة عامة على اربعة محاور اساسية: "ورشة الدراسات العمرانية" وتلعب الدور التمهيدي، من دراسات ميدانية وتخطيط وتهيئة وتحديد المشاريع الهندسية، طبقاً لاتفاقيات مبرمة مع مؤسسات تابعة للقطاعين العام والخاص. من هذه المشاريع نذكر التحليل العمراني لحي باب سويقة، تنفيذ 40 مسكناً في الحفصية لحساب وكالة التهذيب والتجديد العمراني، خصوصاً مشروع المدرسة الابتدائية سيدي العلوي في حي باب سويقة لحساب وزارة التجهيز والاسكان جائزة "آغا خان" - 1989. المحور الثاني يتجسد ب "ورشة الحضائر"، وهي كناية عن خلية اشغال انشئت مطلع الثمانينات لتفادي النقص في مستوى المقاولات وأعمال الترميم، ولمساندة جهود المعهد القومي للآثار والفنون. من انجازات هذه الورشة ترميم قصر صاحب الطابع لحساب وزارة الشؤون الثقافية، ترميم زاوية سيدي بن عروس، بواسطة اعتمادات من الولاية، ترميم مدرسة بئر الحجار بواسطة اعتمادات على شكل قرض من "منظمة المدن الاسلامية". ويقوم المحور الثالث على المساعدات الفنية، التي تقدمها الجمعية لسكان المدينة القديمة، باشراف فريق من المهندسين والتقنيين يتولى دور الوسيط والشريك والمرشد في كل ما يتعلق بعمليات الاستصلاح والصيانة واعادة البناء. اما المحور الرابع والاخير فيتعلق ب "برامج الاحياء"، وما تشمله من مشاريع اعادة الهيكلة العمرانية والتهذيب والصيانة والترميم. ولعل ابرز مشاريع اعادة الهيكلة العمرانية التي اشرفت عليها الجمعية، ذاك المتعلق ب "الحفصية" وب "باب سويقة - الحلفاوين". يقع حي الحفصية في قلب المدينة، في جوار جامع سيدي محرز، وكان يطلق عليه قديماً اسم الحارة. بقي الوضع فيه متردياً منذ غادره اهله ابتداء من العشرينات في اتجاه المدينة الاوروبية، تاركين خلفهم دياراً آخذة في التداعي. وقد شهد الحي عملية هدم واعادة بناء حوالي العام 1930. اما المباني التي كانت لا تزال قائمة فكان يشغلها، في ظروف مزرية وغير لائقة، مواطنون من اصحاب الدخل المحدود، تحت اشراف البلدية. واعتبرت الجمعية ان تدهور النسيج العمراني للمدينة، بما يمثله من مخاطر على التوازن الاجتماعي والتراث المعماري، اخذ يمتد خارج المناطق المهدمة كالحفصية والخربة. ورأت انه لا بد، لايقاف هذا التدهور، من الانكباب على مصدر البلاء، عبر اعادة بناء احياء شعبية لائقة تستوحي الهندسة التقليدية وتحترم مبادئها، وعبر بعث منشآت من شأنها ان تستقطب الاهتمام وتمكن من إحياء المدينة واعادة دمجها في الحياة الاجتماعية والاقتصادية للعاصمة. وضعت التصاميم بين 1972 و1974، وفرغت "الشركة القومية العقارية" من بنائها عام 1978. يمكن اعتبار مشروع الحفصية غير تجسيد لرؤية الجمعية وفلسفتها واختياراتها، فقد درسته بوصفه نموذجاً للمشاريع المتكاملة التي تطرحها كحل لمشكلة المدينة، وتشمل التصفية العقارية واعادة انشاء الطرقات والشبكات، وتهذيب المساكن القابلة للاصلاح واقامة مباني جديدة على المساحات البيضاء. ابتداء من العام 1985، لعبت الجمعية دور المستشار لدى وزارة التجهيز والاسكان التونسية، في ما يتعلق بالمسائل الخاصة بالهندسة المعمارية والبناء. والوزارة المذكورة هي صاحبة مشروع هيكلة باب سويقة - الحلفاوين. هذا الحي الذي يلعب دور همزة الوصل بين وسط المدينة وشطرها الشمالي، تمكن لفترة طويلة من الحفاظ على نمط حياتي خاص، ونسق اجتماعي وثقافي مميز، مما ضمن له خصوصية عريقة. ظروف العيش في هذا الحي تدهورت شيئاً فشيئاً، بسبب ازدحام حركة مرور السيارات والحافلات، حتى ان ساحة باب سويقة اصبحت منذ اوائل العقد الماضي اشبه بمحطة هائلة للنقل البري. هكذا تولى المشروع احياء المعالم التاريخية للحي جامع سيدي محرز، قصر صاحب الطابع...، وحل مشكلة السير عبر اعادة تنظيم شبكات المرور وحفر نفق يخفف من ضغط العبور، واعادة تجديد وترميم المباني من المنطلقات الموجودة نفسها، مع استيحاء عناصر عصرية والحرص على اعطاء هذا الحي الشعبي في بعض مجموعاته السكنية بعداً لا يخلو من الترف والرفاهية. "لا "التحنيط" باسم المحافظة على التراث، ولا التهديم تحت شعار الحداثة". هذا هو المبدأ الذي لم تحد عنه الجمعية منذ انطلاق مغامرتها. وهنا ربما يكمن السر الاول لنجاح "جمعية صيانة تونس القديمة"، التي تبدو في يوبيلها الفضي وقد كسبت الجزء الاكبر من رهانها.